الرئيسية » كتاباتنا » كلّنا نبكي !

كلّنا نبكي !

كان مساءاً جميلاً بحقّ، أصبحت فيه على نصٍ جميل، وأمسيت على منظر من أروع ما شاهدته عيناي، ومن أحسن المناظر التي تدخل على قلبي بريقاً من نوعٍ خاص،

الخميس، الخامسة وثلاث دقائق، كنت متوجهاً من المدرسة صوب الإقامة، وعند مفترق طرق واد سمار الكبير، هناك حيث تبعث الشمس أشعتها البراقة كان الجو رائعاً، وعند الحقول في الجانب الآخر كان هناك ذلك المنظر الخلاب الذي لطالما أعادني لأيام الطفولة، إنه منظر سرب الطيور متناغم بطريقة غريبة، منظر كهذا حين أشاهده دائماً يعيدني لشيء من طفولتي، لبعض زخات الذكريات، وحين أذكر الطفولة ليس لي إلا أن أذكر حيّنا، وفي ساحته بالضبط حيث كنت أجري كثيراً، وكنت ألعب كثيراً، كانت تتراءى لي دائما تلك الأسرب في عنان سماء ورقلة الزرقاء، كنّا كلّما رأينا سرباً يحلّق عالياً رحنا نفسّر الأشكال التي يصنعها من حين لآخروما يحضرني الآن وسط كلّ هذه الذكريات تلك الذكرى الغريبة بعض الشيء، ودعيني أحكيها لك بكل تفاصيلها.

حين كنت صغيراً كنت محترماً وسط أصحابي، رزيناً، ذكياً وقائداً أو لنقل من كوادر أطفال الحيّ، وكان لنا جيراننا من ولاية وهران حسب ما أذكر، وكان لهم فتاتان، إحداهما شقراء بشعر ذهبي والأخرى سمينة بعض الشيء، كانا يصغرانني سناً ولا أعيرهما أيّ اهتمام ولم يسبق لي أبداً أن تحدّثت معهما، إلا أنه وفي يوم من الأيام حين كنت ألعب مع رفاقي حدث إشكال معهما ولا أدري كيف حتى قالت لي تلك الفتاة كلاماً كلام بذيءلا يليق بي بين الأصحاب، ورغم أني لم أعر الأمر اهتماماً إلا أني بدوت بموقف الضعيف وسط أصحابي، وبعد ضغوطات من الأصدقاء ومن كوادر الأطفال، وبعد أن أحسست بالإهانة قرّرت أن أنتقم، وبالفعل ذهبت لتلك الفتاة وصفعتها على خدها حتى راحت تبكي، عدت مباشرة بعدها للمنزل أحمل جريمة لا تغتفر على ظهري، وفي صمت دخلت المنزل ولم أكلّم أحد، وكنت أترقب أن يُطرق الباب في أيّ لحظة، كنت خائفاً بعض الشيء، وحدث ما كنت أنتظره، اشتكت الفتاة لوالدها، وبالرغم مما يوجد في هذه الفترة من القصة من ضباب في رأسي إذ ذهبت عني الأحداث بالضبط لكن ما أذكره هو أني أول ما جاء والدها المنزل ليخبر والدي بالجريمة التي ارتكبتها وأول ما نادوني للإدلاء بشهادتي حتى انهمرت دموعي على خدي ورحت أحكي القصة وأنا أبكي، بكيت كثيراً وبحرقة حينها، وبعدها حُلّت المشكلة باعتذار بسيط ولم أقابل تلك الفتاة بعدها أبداً أو لم أذكر أني تحدثت معها أبداً لا بعدها ولا قبلها، قررت بعدها أن لا أضرب فتاة مهما كان السبب.

ربما ما لا تعرفينه أني إنسان حسّاس لدرجة تفوق الوصف، أستطيع أن أبكي لأبسط الأمور، وكنت بالفعل أبكي حين كنت صغيراً، إلا أن قال لي أبي يوماً، الرجال لا يبكونلا أدري هل قال لي هذه الكلمة في هذه الحادثة أم غيرها، لكنه قالها ومن يومها كنت أحتفظ بدموعي مهما كان الموقف، كانت تغرورق عيناي، لكن الدمعة لا تسيل، تحمرّ عيناي وينفطر صدري حتى يكاد ينفجر، ولكن رغم كلّ شيء الدمعة لا تسيل أبداً ولا يحق لها أن تسيل، وحتى اليوم، أحبس الدمع في عيني في كثير من الأحيان دون أن يشعر أحد، أحبس ألم الدنيا في قلبي دون أن يشعر أحد أبداً، وفي يوم من الأيام قررت أن أغيّر مقولة الرجال لا يبكونبمقولة أخرى أكثر قوّة قالها لي صديق لي أيام الأزمة السورية، حين خرجنا من صلاة الجمعة في يوم ما وكان رجل سوري مع عائلته عند باب المسجد قال لي صديقي يومها دموع الرجال غاليةوقال عندما ترى دموع الرجال وأنت تعلم أن رجال سوريا من أقوى الرجالفاعلم أنه قد بلغ الحد الأقصى …

وفعلاً فالرجال يبكون، فهم بشر وليسوا ملائكة، لكن هناك فرق بين رجل يبكي حبيبته التي تركته ورجل يبكي وهو خاشع في صلاته، فرق بين رجل يبكي على ماله الذي فقده ورجل يبكي أمتّه التي ضاعت

وقررت في يوم من الأيام ألاّ أبكي إلا لسببين هما، بكاء لتوبة على ذنب اقترفته، أو بكاء على واقع الأمة حين يبلغ بي الحزن مبلغه

وها أنا أبكي اليوم حال أمتّي، حال مُزّقنا فيه كلّ ممزق، تفرّقنا فيه وصرنا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون، وأسأل نفسي مراراً ماذا أفعل لأرفع هذا الهوان عنّا، وأنا حقيقة في كرّ وفر من الأفكار، فأتفاءل أحياناً حتى أرى النصر أمام عيني شاخصاً، وأيأس أحياناً حتى أرى الأيام السود تحيط بي من كلّ جانب ولكن في كلّ مرّة أيأس فيها أبكي أو أحاول ذلك، فيتملكني القهر والعجز والهوان حتى أبلغ ذروة ذلك، وما أفعل ذلك إلا لأنه يدفعني للعمل، والجهد، فأتفاءل وأسعد أشد السعادة، وما يلبث اليأس حينها أن يتملكني من جديد، فأعيد الكرة مراراً وتكراراً وأستمر في هذه الدالة الجيبية، صاعداً ونازلاً في المشاعر، أحاول أن أطيل فترتي عاليا وأقصر فترتي نازلاً، وأسعى دائماً لتدوم فترات التفاؤل والعمل

صلاح الدين – 23:40 – 2017/12/16.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.