الرئيسية » كتاباتنا » رحلة تونس !

رحلة تونس !

أكثر شيء كنت أفكر فيه وأنا أعبر الحدود الجزائرية التونسية جاراً حقيبتي هو الوقت اللازم لتصل آخر سيارة على هذا الطابور الطويل والذي يصل لحوالي 500م للخط الحدودي… كنت حائراً … فالأغلبية تعبر الحدود على السارات ما عداي، لقد كنت محظوظاً نوعاً ما، ومتبجحاً وأنا أسير عبر تلك السيارات التي أنهكها الانتظار … وصلت للجانب الجزائري حيث قمت بختم السفر بكل سهولة … وحين عبرت للجانب التونسي تفاجأت بالقاعة الممتلئة عن آخرها … الصراخ في كل مكان العاملان من وراء الشباك ينادون بالأسماء والناس تستمع وتصرخ … كانت الفوضى عارمة … إلى ان سمعت اسمي فصرخت بأن أنا … تأكدت من الختم عليه … وخرجت بكل فخر كمن خرج منتصراً من معركة ما … عبرت الحدود بكل سهولة … حتى أنه لم يسألني أحد عن جواز سفري … إلا شرطياً تونسياً سألني “هل ختمت جوازك” فأجبت بنعم فقال مرحباً بك دون أن يتأكد … دخلت تونس بكل سهولة … وما ان دخلت حتى انهال عليّ عامل بشركة Orange للإتصالات وتبعته عاملة من شركة ooredoo … كانوا يتحدثون بنفس الوقت … كل يحاول اقناعي بشراء شريحة شركته … وبعد أن أحسا بأني لم أفهم شيئاً بسبب صراخهما قالت الأوريدوية : – في الحقيقة هما نفس العرض فقط شركتين مختلفين فاختر كما تشاء … وبالفعل اخترت orange لأنه لم تعجبني أرطال الماكياج على وجه تلك الفتاة -_- …

بعد ان اشتريت الشريحة وجدت نفسي في مكان خالي لا سيارات أجرة فيه … ولا حافلات سوى بعض السيارات الجزائرية التي تدخل الواحدة تلو الأخرى … فكرت في أن أوقف احداها لتوصلني لأقرب قرية … لكن سيارة أجرة جماعية جاءت وأنقذت الأمر … قال صاحب السيارة أنه سيوصلنا بـ 04 دينار للشخص لمدينة طبرقة … وبعد أن وصلنا تبين من بعض الذين ركبوا لاحقاً أنها بـ 03 دينار وليس أربعة … وبدأ يتجلى احتيال أصحاب سيارات الأجرة …
وصلت لطبرقة وحملت سيارة جماعية مباشرة نحو العاصمة … حيث كان عليّ أن آخذ سيارة أجرى لتوصلني للمحطة التي بها السيارات التي توصل للمنستير (ولاية تونسية) … أخذت سيارة الأجرة التي بدا صاحبها مكشراً ومشّنفاً … المهم أنه كان يضع احدى أغاني الراب التونسية … كان الجو رائعاً … أغنية تونسية وأنا أتجول في تونس العاصمة … أيّ روعة تلك … المهم أنه أوصلي للمكان الذي يبعد أن المكان المفترض ب500 متر على الأقل مشيتها بخطى متثاقلة أجر حقيبتي … محتال آخر قال أنه سيوصلني للمنستير بـ 11 دينار .. ولكنه تبين فيما بعد أنه متوجه لسوسة …
وصلنا للشيء الذي جعلني أكتب هذه الكلمات … وهي ظاهرة نعاني منها في الجزائر … جلس الي جانبي شاب من الجزائر وبجانبه كهل من تونس … بدأ التونسي حديثه بلغة فرنسية ركيكة جداً تتخللها بعض الكلمات العربية حين يعجز لسانه عن الوصف … وأجاب الشاب بلغة فرنسية أكثر ركاكة ومليئة أكثر بالكلمات العربية … تساءلت ويحق لي أن أتساءل … إذا كانا يفهمان العربية … ومن دولتان عربيتان فلما التكلّف … مع أننا نعرف جميعاً أن كلماهما كان ركيكاً … كان هذا مظهراً من المظاهر التي تؤكد أننا لا نزال مستعمرين بإرادتنا وبأننا قبلنا الاستعمار واعترفنا كل الاعتراف بأن التطور كل التطور في الحديث بلغة المستعمر الذي سنظل له تابعين ما دامنا نمجّده …

قال السيد التونسي أنه زار الجزائر وبالضبط في منطقة 5 maison حيث العمارات العالية لاحظ رجلاً يحمل قارورة غاز لمنزله الذي في الطوابق العليا … وتعجّب صديقنا كيف لدولة من أكبر المصدرين للغاز الطبيعي في العالم أن يحتاج شعبها لشراء القارورات !! .. تعجبّ ويحق له التعجب … فأجابه الجزائري “الدولة غنية … والشعب فقير” … ملخصاً بذلك واقع الحياة في الجزائر … استسلمت للنوم بعدها حتى وصلنا لسوسة … هناك حيث قلت للسائق .. لكني طلبت الذهاب للمنستير … قال سأرشدك لسيارات الأجرة لتذهب لهناك … أعطيته 9,5 دينار وحملت حقيبتي متوجها نحو المحطة … اشتريت تذكرة وجلست أنتظر في السيارة ريثما يكتمل العدد … غادر بنا صاحب السيارة متوجهين نحو المنستير … كدت استسلم للنوم مرة أخرى لولا أنه توقف فجأة على قارعة الطريق ونزل … رأيت للجانب الآخر فوجدت سيارة أخرى متوقفة على الطريق … تبادل السائقان … جاءنا السائق الآخر وأكمل … وصلنا عند احدى مفترقات الطرق … هناك كانت سيارتان جزائريتان متوقفتان … وكأنه شجار … أحدهم يلكم الآخر … وبعض الناس يحاولون تهدئة الأمور … قال السائق بسخرية : -دزيريين في بعضاهم …

سلوك العنف هذا الذي صار مستشرياً في بلادنا انتشر ليشمل الجيران … فالشجارات والصراخ في الجزائر أمر عاديّ … لكن يبدوا أن السياح الجزائريين أبو إلا أن ينقلوا تلك الشجارات لتونس … لا نقول هنا أن الشعب التونسي ملائكة لا يتشاجرون … ولكن مهما يكن فلا يصل العنف هنا لما يصل إليه في الجزائر …
دخلنا مدينة المنستير … وبالقرب من محطة السيارات لاحظت أخي الذي كان ينتظرني في السيارة … نزلت من سيارة الأجرة وتوجهت له مباشرة … وبعد ترحيب توجهنا للمنزل كان أعلى طابق من فيلاً تتكون من 3 طوابق وطابق أرضي … ولابد لي من ابداء ملاحظة مهمة هنا … فهناك فرق كبير بين المنازل التونسية والجزائرية … خاصة تلك التي تٌؤجّر في فصل الصيف … أغلب المنازل هنا تكون جاهزة مجهّزة … مطلية من الداخل والخارج … بها الماء والغاز والكهرباء دون انقطاع … كل ما تفعله هو السكن والاطمئنان فيها، وأغلب من يؤجر المنازل هنا هم أناس مرتاحون من الناحية المادية … إذ أن كراء المنازل هنا يعتبر ثقافة على العموم، مع أسعار مقبولة … أما على الجانب الجزائري … تٌكرى المنازل بأغلى الأثمان وهي لا تحتوي على أدنى الوسائل اللازمة للعيش (فراش، ثلاجة، ماء … ) وأحياناً تكون تلك المنازل نصف مبنيّة، أما عن الكارين فأغلبهم أناس يعتبرون فصل الصيف فصل كسب معيشة … فهم يقتاتون من كراء المنازل … وبأسعار خيالية … يجد السائح الجزائري نفسة أحياناً يفضل الأسعار المعقولة على الجانب التونسي على الأسعار الخيالية في الجانب الجزائري … على الرغم من الفارق الشاسع في المناظر السياحية بين البلدين … فالجزائر تزخر بمناطق أروع وأجمل من تونس بكثير … لكن الفرق هو في الإهتمام الذي تبديه الدولتين للسياحة !!

مرّ اليوم بعد استقبال الأهل لي وبعد الاستراحة والغداء نمت نوماً عميقاً …
ذهبنا للبحر في اليوم الموالي … الجيد في الشواطئ التونسية هو أنك لست بحاجة لدفع مستحقات الباركينغ … والسيء هو أنك قلّما تجد شاطئاً محترماً … أو مقبولاً … لأن تونس مليئة بالسياح من كل مكان … والفارق شاسع في تفكير السائح الغربي وغيره من العرب المسلمين إسلاماً صحيحاً لا إسلاماً شكلياً يقبل به كل شيء …
أجل فالتعري في شواطئنا صار أمراً عادياً في أغلب الولايات … وقلّما تجد شاطئاً محترما يمكنك وعائلتك من قضاء رحلة ممتعة …

المهم أننا وجدنا مكاناً محترما وقضينا وقتاً ممتعاً على الشاطئ …
زرنا في اليوم الموالي مدينة القيروان العريقة … أول شيء زرناه هو جامع القيروان … وهو جامع بني بعد فتح المسلمين لهذه البلاد في منتصف القرن السابع للميلاد في عهد عقبة ابن نافع …

معلم رائع … مسجد كبير خضع للعديد من الترميمات في القرن التاسع وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر … مسجد شاهد على فترات كان فيها منارة للعلم … وماذا عسانا نقول ونحن نزور هذا الجامع الآن لأخذ الصور فقط !! ، بقد ما كانت الزيارة رائعة بقدر ما كانت محزنة من ناحية ما …
ولن يفيد ولن ينفع وليس مطلوبا منا أصلاً أن نبكي على أمجادنا وعلى يوم كان المسلمون فيه ينيرون الورى بعلمهم وتطورهم … وكيف انحدر المسلمون حتى صاروا ينسخون كلّ شيء عن الغرب في محاولة لجلب كلّ ما هو مادة وفي محاولة لنكون نسخة طبق الأصل لغيرنا ولنأخذ من تلك الحضارة الغربية كل ما هو قشور تاركين علماً وتقدما وتطوراً … حتى أن أبسط الأمور من ذلك التقليد تظهر في نسخ لباس السباحة !!

بل الأجدر بنا هو العمل … اصلاح أنفسنا والعمل على اصلاح غيرنا … العمل على السير في ركب الحضارة لا أن نكون حاشية وهامشاً على نصٍ كان الغرب ولايزالون متنه !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.