الرئيسية » كتاباتنا » المسؤوليات

المسؤوليات

كنت أكره المسؤوليات دائماً، لكن رغم ذلك، كان الجمع يحشرني بها حشراً … ولا أدري كيف كنت أستسلم لها وآخذها رغم ثقلها، لم أكن ذلك المسؤول الجيّد على كلّ حال، وكنت كُلّما كُلّفت بأمر حرصت على إقناع من كلّفني أنّني لست كُفء له، وكان الجمع يحاول إقناعي دائماّ أني الأنسب له، فكُنّا نتجادل قليلاً، ثم أستسلم، آخذه على مضض، وأفعل ما استطعت فعله !

وكنت أجمع مسؤوليات كثير من الأشياء في آن واحد، وكان رأسي المسكين ينفجر أحياناً، وكنت دائم التفكير بكل الأشياء، ثم حتى إذا انفجر الرأس، أُفرِغ من كلّ شيء، فأنسى كلّ مسؤوليّاتي حينا من الزمن، ثم أركّز منها على شيء واحد فقط، أسير فيه حيناً من الزمن، ثم أتذكّر فجأة مسؤوليّاتي الأخرى، فينفجر الرأس مرّة أخرى، وأختار شيئاً آخر أركّز عليه …

وكنت أسير في هذه الدوّامة بعض الشيء، حتى أتخلّص من إحدى المسؤوليّات، فأحس فجأة أنّ جبلاً قد أزيح من فوق ظهري … المسؤوليات متعبة، قاتلة، لكنّها ممتعة أحياناً، ومُرضية أحياناً …

فلطالما ساهمت في شيء من الرضّا ولو قليل، حين تحس أن الجمع منهزم، وحين ترى من ترى من موت وقتل في أرجاء المعمورة، ثم ترى أنّك بالفعل تساهم ولو بشكل غير مباشر، بشكل ضئيل جداً، في التقليل من ذلك على المستوى البعيد.وبعض الأعمال نعملها هنا، فنرى أثرها هناك، بعيداً، حتى أنك تتساءل ما العلاقة بين عملي وبين ما جُزيت به، فتتعب في دراستك لتجد فرصة لم تكن تحلم بها، وتتعب في مساعدة فلان، فتأتيك مساعدة من إنسان لم تتوقع أن تتقاطع طرقكما أبداً … حين كنت صغيراً كنت أرغب بدراجة، كنت صغيراً، وكُنّا في حال لا يسمح لوالدي بشراء دراجة لي، فكان أبي يصبّرني فيقول، إذا أردت درّاجة فعليك أن تعمل، ولم أكن أدري حقاً ما ماهية العمل الذي يطالبني به، فكنت أذهب لمكان خلف عمارتنا أحفر الأرض !حتى عثر عليّ مرة والدي هناك، فسألني عن سبب فعلي ذلك، فقلت له بكلّ براءة، أنا أعمل لأحصل على دراجة … لا أدري أيّ أثر كان لهذه العبارة في قلب والدي، ولا أدري كيف استطاع بعدها بأيّام أن يشتري لي درّاجة، ويجلبها لي وأنا منهمك في عملي العظيم !ما أردت قوله هو،

ربما تكون أعمالنا ضئيلة ولا يُرى أثرها، وربما ليس لها أثر أبداً على ما نعمل من أجله … لكنّ الله يرى، ويعلم، يعلم جيداً مقدار الجهد الذي يبذله الإنسان في سبيل شيء ما، فيجازيه بشيء أحسن منه أو مثله …وكأنّه سبحانه يجازينا بمقدار الجهد الذي بذلناها في سبيل شيء ما، فيجمع جهدك ونيّتك، ويعطيك من خزائنه التي لا تنتهي ما يتناسب مع حالتك ومع مرحلتك …

Image by Gerd Altmann from Pixabay

صلاح الدين بوخطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.