الرئيسية » كتاباتنا » مذكرات ميّت

مذكرات ميّت

– 01 –

لم يكن صباحاً ككل الصباحات … كان مختلفاً، بدا كل شيء مائعاً … وكأني استيقظت من عمق المحيط … فتحت عيني فيه بشكل مفاجئ … فتحتهما على غرفةٍ غيرِ منظمة … وعلى صرخات أمي البعيدة التي تحاول ايقاظي … إنها تصرخ بشدة … صراخها يزعزعني بشكل غريب … حاولت الرد بكلمة لتهدئتها وطمأنتها أني استيقظت كما أفعل في العادة …
-حاضر سأستيقظ -سآتي -أمي -آآآآآ … حاولت الصراخ بشدة …
يا إلهي … أين صوتي الخشن … لما لا أسمع صوتي … حاولت أن أصرخ بملء في … ولكن لا أسمع صوتي ولا أظن أنّ أمي تسمعه … مهلا !!… لما لا أستطيع الكلام … يبدوا أن أمي بلغ بها الغضب أوجه … هي تحاول فتح الباب الذي أغلقه من الداخل كل ليلة … عليّ أن أنهض حالا … ماذا يحدث !… تصلبت قدماي ويداي … شعور رهيب مرّ على الآن … حاولت تجاهله لكنه كان قوياً … شعور بالرعب !… سكت صراخ أمي فجأة … لكنه لم يسكت إلا ليعود بأبي وأخي الأصغر مني … تبا !.. ماذا سيفعلون .. هل سيكسرون الباب حقاً !! … بعد عدة محاولات تمكنوا من الدخول ويا ليتهم ما فعلو … تقدمت أمي نحوي بكل قوة … وراءها أبي وأخي… كانت أمي تحاول سمع نبضات قلبي … لكنها لم تسمع شيئا … تراجعت قليلاً … وها هي الآن تنظر إليّ بنظرة غريبة … هي وخلفها أبي ,,, نظراتهما غريبة … ربما أول مرة أرى تلك النظرة … أهي نظرة حب يا ترى .. أم نظرة راحة من همي ومن فسادي الذي أضناهما … التفتت على كتف أبي وراحت تبكي بكل ما تملك من قوة … يا إلهي … تأكدت الآن أني ميت فعلاً … كيف … كيف حدث هذا ! ولما أنا … !! 

ربما لم يكن عليّ بدأ سرد القصة من الأن فأصول الحكاية تعود لسنتين قبل …

– 02 –

يومها كنت لا أزال طالباً بريئاً … أجل … كنت بريئا بخلاف ما كنت عليه ليلة البارحة … مجرد عاصٍ لوالديه … متسكع في الشوارع … ناشر للرذيلة … أما اليوم فقد صرت الماضي … الماضي المر الذي سيريح أهلي، سيريحهم من ابنٍ عاق … ابنٍ قابلوا عقوقه بكل عطف علّه يعود إلى رشده .. لكنه لم يفعل !! … وهاهم الآن يبكونني. سيأتي المحققون بعد قليل، فموتي ليس موتا عادياً … إنه انتحار … أجل … البارحة وضعت حدا لحياتي بنفسي وبملأ إرادتي .. أما الآن فأنا نادم … أريد أن أعود للحياة … أريد أن أقبل رأس أمي من جديد كما كنت أفعل قبل سنين … 

فارقت الحياة إذاً … وأنا على أبواب النيران … كلما تذكرت ذلك يصيبني الرعب … إن بقي في شيء يستطيع الشعور !!.. فأنا ميت … وأنا من أهل النار لا محالة … ما فعلته في عام لا يغتفر أبداً … وما فعلته بوالدي لم يجرأ أحد على فعله من قبل … 

قبل سنتين من الآن … كنت ذلك الفتى المجتهد … المطيع لوالديه … الفتى الذي لا يُسمع له صوت في المنزل ولا خارجه … دائم الصمت لخجلي … ولتفكيري الجنوني الذي كنت أخبئه بيني وبين نفسي ولا أبوح به لأحد … كنت طالباً في السنة النهائية من الثانوية … كنت باختصار محبوب الأساتذة … كان عام الباكالوريا … مرت سنة وأنا أجتهد علي أصل إلى تلك التأشيرة التي تمكنني من دخول تلك الكلية … كلية أحلامي حينها … كليه الهندسة … اجتهدت إذا وحصلت على علامة مشرفة مكنتني من اختيار ما أشاء … وفعلاً … ذهبت لتلك الكلية … التي تقع في ولاية أخرى من الوطن … ذهبت وكلي أمل في مستقبل مشرق … حتى هذا الحين كنت طفلاً … طفلاً غير ناضج … طفلاً لم يكن عليه أبداً أن يغادر حضن أمه … لتتلقفه الوحوش الضارية … وفي تلك الإقامة … بدأت قصتي … وبدأ فصل جديد من حياتي … وبدأ انحرافي عن الطريق … وبدأت النهاية …

– 03 –


أجل .. بدأت نهاية حياتي .. ففي الحقيقة بعض الميتات لا تأتي في لحظات … ولا في ساعات .. بل قد تتجاوز ذلك لسنين !! .. 
وصلت الإقامة في ذلك الصباح … قمت بإجراءات الغرفة …كنت من أوائل الواصلين … فقد كنت من الخباشين (الذي يدرس بكثرة ولا يمل ) … دخلت إلى غرفتي الفارغة إلا من سريرين وطاولتين بكراسيهما … وضعت أمتعتي وغططت في نوم عميق … 
مرت الأيام الأولى وأنا وحدي في الغرفة … فلم يكن قد وصل الكثير من الطلاب رغم أن الدروس قد بدأت … كان هذا هو حال الجامعة الجزائرية … حيث يأخذ التلاميذ العطلة وأكثر من ذلك بقليل … كنت أذهب للمدرسة .. ولكني كنت منعزلا عن الآخرين … لا أجلس إلا وحدي ولا أحادث أحداً … لكن سرعان ما أحسست بالحنين للمنزل … أجل اشتقت كثيراُ لأمي ولعائلتي … وما زاد الطين بلة أني كنت وحيداً في الإقامة على خلاف الآخرين … ففي الإقامة يعيش أغلب التلاميذ في تجمعات … أي أنه يجب عليك أن يكون حولك بعض الأصدقاء ممن تقضي معهم وقتك … وتختلف تلك التجمعات … فهناك الصالحون وهم من يأخذون بأيديك إلى كل خير … وهناك الطالحون من يفعلون عكس ذلك تماماً … ذلك التكتل هو ما يعينك على أيامك وإلا لمرت عليك تلك الأيام كالجحيم ,, تماماً كما حدث معي قبل أن ألتقي بأحد شياطين الإنس … أجل لقد كان شيطاناً في صورة إنسان … فهو سبب وصولي لما وصلت عليه اليوم … 
كنت كارها من الدنيا يومها ومن حياتي في هاته الجامعة .. وقد بلغ اليأس مني مبتغاه … حتى كدت أفكر في ترك الجامعة… ذلك المساء جلس بجانبي واستعار مني ورقة وقلم، كان يسألني عن الدروس وأنا أجيبه وأشرح له … خرجنا من الدرس … أخرج سيجارة وأشعلها أمامي … ثم عرض عليّ فمتنعت … عدت للإقامة كارها لحياتي بها … وأعد الثواني على موعد العطلة … لاحظت أن الغرفة منارة من الخارج … يبدو أنهم قد أرسلوا لي صديقا في الغرفة كما وعدوني …

– 04 –

فتحت باب الغرفة … دخلت … كان الفتى يغط في نوم عميق … كانت حقيبته مفتوحة قليلاً … وكان ينام بملابس جيدة … يبدو أنه متعب جداً … لا بد أنه جاء من ولاية بعيدة … أغلقت الباب بهدوء … حاولت قدر المستطاع ألا أصدر صوتاً … غيرت ملابسي وضعت أغراضي على الطاولة واستلقيت أنا الآخر أعد الأيام والساعات وأفكر في كل شيء … يبدوا أن تفكيري بدأ بالتغير قليلاً … انتقلت من مرحلة الطفولة تلك … الآن أصبحت لدي ميزانية يجب أن أديرها لكيلا ينتهي بي المطاف فارغ الجيوب … صديقي لا زال نائماً … يا ترى هل سيكون انساناً جيداً … أم سيكون عكس ذلك … هل سنتشاجر في أول أيامنا أم أننا سنصمد قليلاً أمام الاختلافات … ان كانت !! كنت أفكر وأفكر … وأحادث نفسي في عقلي … حتى قطع خلوتي هذه طرق للباب !! … غريب ! أول مرة يطرق بابي … قمت وفتحت الباب وإذا به نفس الشخص الذي التقيته … انه هوا … ماذا يريد … نظر إلى باستغراب وقال .. 

– هذا أنت ؟ .. أتسكن هنا … 

– أجل … أنا أسكن هنا … 

– هل وصل #إلياس ؟ 

– من الياس ؟ .. 

– صديقي … من المفترض أن يصل اليوم … أخبرني في الصباح أن غرفته H105 .. 

– آه .. بالفعل وصل أحدهم اليوم .. تفضل إنه نائم … 

دخل الفتى بسرعة وراح يوقظ صديقه بكل عنف … وصديقه في عالم آخر من الأحلام … لكنه ما إن وعى لما يحدث حوله حتى ابتسم … وراح يعانق صديقه … ثم أجلسه بجانبه في السرير … وبدآ بالحديث قبل أن ينتبه لي … نظر لي فجأة نهض من مكانه وسلم عليّ وقال أهلا .. أنا إلياس زميلك في الغرفة وصلت صباحاً … وأتمنى أن نقضي عاماُ رائعاً … كانت لا تزال تبدو عليه علامات النوم … لذا استأذننا ليخرج للحمام … خرج … قال صديقه بعدها :

  • التقينا اليوم مرتين … أنا #عمر … أنا والياس أصدقاء منذ سنين … تشرفت بمعرفتك يا … 
  • #عماد … إسمي هو عماد … 
  • الله يبارك … تشرفنا عماد 

حقيقة … لم أجد ما أقول … أول مرة يقول لي أحدهم تشرفت بك … لكني رددت بابتسامة … 

  • يسلمك … 

بدأنا بعدها حديثاً عن ولاياتنا … وعن عاداتنا … دخل بعدها إلياس … قام بتنظيم أغراضه … ثم بدأ يسأل عن الدراسة … كنت الوحيد الذي يعلم ماذا يحدث … قمت بإعطائهم ملخصاً … وكان يبدو على وجوههم علامات التذمر والاستياء من الدراسة فلم يكونوا يتوقعوا ان نبدأ الدراسة بهذه السرعة … وبدؤوا بشتم الدراسة … بدأ الكلام الفاحش يتطاير هنا وهناك … لم أكن قد تجرأت على لفظ كلمة مخلة بالحياء حتى ذلك الحين … كنت ساكتا أنصت ولا أعلم ما أقول … وفجأة … أخرج عمر من جيبه علبة سجائر … وبدأ يدخن … التفت إلى وقال .. 

  • هل يمكنني التدخين هنا !! … 
  • نعم أكيد … (أجبت دون تردد وكأني طفل ودوع … لم أكن قادراً على قول لا !!  )
  • جيد … ظننتك ستعارض (قالها وقد رسم ابتسامة خبيثة على وجهه)

أعطى لإلياس سيجارة كذلك … أخذا يدخنان في الغرفة بكل انتعاش … ويبدو أنهما هدآ قليلاً … حملت حاسوبي من الطاولة وجلست على السرير … كنت أود مراجعة بعض الدروس … لكن عمر قال … 

  • هل لديك فلم جيد !! 
  • لا … أنا لا أشاهد الأفلام … 

تعالت ضحكاتهما … ضحكا بكل ما لديهما من قوة ومن استهزاء وسخرية … 

  • ماذا !! لا تشاهد الأفلام !! يا لك من بريء … 

– 05 –

أجل … كنت بريئاً .. جداً … لم أكن أشاهد الأفلام أبداً … ولم يخطر ببالي ذلك أًصلا … كان والداي يخافان علي الانحراف ويخافان من الفساد الذي يعم مجتمعي … لكن ربما لم يفلحا في ترجمة خوفهما … لأنهما وبكل بساطة عالجا الأمر بالمنع … أجل … فقد كنت ممنوعاً من كثير من الأشياء … أبسطها التلفاز … فلم أكن أشاهد كل القنوات … ولم أخرج للشارع إلا نادراً … ولم أخالط أقراني من الأطفال … لأنهم حسب رأي والداي ليسوا متربين … أو تربيتهم ناقصة … كانت نظرة قاصرة وضيقة من والداي اللذان سجناني داخل المنزل في غرفتي هاته التي قضيت أغلب أيام حياتي بها … 

  • لا !! لم أشاهد فلما في حياتي … هل لديك فلم … 
  • أكيد … انتظر قليلا … 

غادر للحظات وذهب لغرفته ربما … ثم عاد بفلاش ديسك … وأعطاه لي … فتحته وكان مليء بالأفلام من كل نوع … سألني أي نوع أحب … لكني لم أكن أعرف … فقلت له أعطني على اختيارك … وبالفعل نقل لي حينها حوالي أربع أفلام … أمضيت تلك الليلة بمشاهدتها! 

كان شعوراً رائعا… مشاهدة الأفلام كانت رائعة جداً … شاهدت أشياء لأول مرة في حياتي … ولم تخل تلك الأفلام من مشاهد مخلة بالحياء … 

نمت متأخراً جداً … حوالي الساعة الثانية صباحاً … لم أعتد على السهر … كنت أنام على الساعة العاشرة على أقصى تقدير … 

استيقظت متأخراً جداً … ولم أحظر أول درس … كانت بداية سلسلة غياباتي … ذهبت مسرعاً وأكملت يومي برفقة صديقاي الجديدان اللذان لا أعرف سواهما … لم يكونا خجلان مثلي … كانا يتحدثان مع الجميع … ويحاولان مصادقة الجميع … اناثاً وذكوراً … أما أنا فكنت كالتابع حينها … أذهب حيث يذهبان … وأسكت حين يتحدثان … لم يكن ينتبه لوجودي أحد … مع كل من نحادثهم لم يحاول أحد فتح فمي … أو جري لنقاش من نوع ما … إلاها هي … تلك التي التقينا بها في المدرج … كانا يحاولان جرها للحديث ولكنها لم تكن تبدي لهما اهتماماً يذكر سوى الرد على أسئلتهما التي لا تنتهي … وفجأة التفتت لي وقالت … 

  • من أنت … 

استغربت من سؤالها … هل تحادثي أنا !! التفت خلفي للتأكد … لابد أنها تقصدني … 

  • أنا ؟ 
  • أجل أنت … من إذاً … 
  • أنا عماد … 
  • جميل اسمك يا عماد … أنا ميساء … سررت بلقائك … 

تشكلت عدة ألوان في وجهي ولم أدري ما أقول …

  • اسمك اجمل … وأنا كذلك سررت بذلك … 

تكلمنا بعدها قليلاً … وصديقاي يسمعان … حتى قاطع حديثنا دخول الأستاذ … 

ومر أول يوم أتكلم فيه مع ميساء … لا أنكر أني شعرت بشعور غريب … سعادة … أو لنقل فرح من نوع معين … وكنت أتمنى لو استمر حديثنا أكثر … 

عدنا للغرفة اذا … 

– 06 –

عدنا للغرفة بعد عناء طويل قاسيناه في الطريق … فالكوس كان ممتلأ عن آخره ولم يكن لنا مكان للجلوس … كان التذمر يعم المكان … أغلبنا طلاب السنة أولى الحريصين على حضور كل الدروس … 

افترقنا مع عمر عند مدخل البناية … ذهب هو لغرفته وذهبنا نحن لغرفتنا … غيرنا ملابسنا … واستلقينا قليلاً … كنت أنظر لسقف الغرفة كعادتي أحسب وأفكر … في كل ما جرى معي اليوم … حتى قاطع تفكيري كعادته عمر … دخل دون استئذان … كان يحمل في يده سيجارة … دخل جلس بجانب الياس … وبدأت سلسلة الاستهزاء التي لا تنتهي … كانوا يتغامزون علي ويقولون أن ميساء معجبة بي … وأني كذلك أفعل … لكني لم أكن كذلك … ورحت أنفي اتهاماتهما … ولكنهم كانوا مصرين أنها أعجبت بي … وكانوا يتراهنون أنها لن تفارقني بعد ذلك اليوم … لا أدري أكانوا يغارون !! لأنها لم تعرهم أي اهتمام … أم كانوا صادقين في قولهم … ضحكنا حتى وصل وقت العشاء … أكلنا كالعادة كي لا نموت … ثم خرجنا لنأكل المزيد من السندويشات عند المحل المقابل لإقامتنا … فعلى ما يبدوا كان الياس وعمر من الأغنياء … حالهم وملابسهم واسرافهم بالطعام يوحي بذلك … أما أنا فكنت من طبقة متوسطة من أبوين يعملان كأساتذة … أكلنا وعدنا … ذهبت لغرفة عمر لأجلب بعض الأفلام لليلة … أحضرت الكثير هاته المرة … وسهرت حتى الثالثة صباحاً … وبدأت عادتي بتغيب الحصة الأولى … مع أن والدتي كانت تواظب على الاتصال صباح كل يوم لتوقظني من النوم … كنت أرد على الهاتف … أقول أني استيقظت ولكني في الحقيقة ما فعلت … كنت أنام حتى وقت متأخر … التاسعة والنصف أو بعدها بساعة … أما إلياس فكان يستيقظ قبلي ويحاول ايقاظي ولا يفلح … يبدوا أنه متعود على السهر عكسي … 

وصلت المدرج متأخراً … 

– 07 –

دخلت المدرج الممتلئ بالطلبة … كان الأستاذ قد دخل قبلي بدقائق قليلة … جلست في الأخير حيث تمكنت من رؤية الجميع … رأيت صديقاي في المقدمة … وكانت تجلس أمامهما ميساء لكن يبدو أنهم لم يكونوا يتحدثون … تابعت مع الأستاذ الدرس بعناية وبتركيز بالغ … لكن ما مرت أكثر من خمس وأربعين دقيقة حتى مللت وتعبت وأصابني نعاس رهيب لم أتخلص منه إلا بغفوة صغيرة … 

انتهى الدرس وبدأنا بالانسحاب من المدرج تباعاً … لمحتني ميساء من بعيد فأقبلت نحوي … وكذلك فعلت … أمضينا بقية اليوم معاً … تحدثنا اليوم بشكل أريح وبشكل أروع … كنت أستمتع بالحديث معها فعلاً … 

مر شهر على هذا الحال … أفلام وضحك ومحادثة فتيات … كان عالماً آخر … عالما جميلاً على عكس ما تعودت عيشه … وشيئاً فشيئاً أصبحت أملُّ مكالمات والدتي … وكنت أتجاهل اتصالاتها في أوقات عدة … أهملت دروسي هذه المدة كذلك … وكنت قليل الحضور … كنت أذهب للجامعة لا للدراسة لكن للتسكع هنا وهناك مع صديقاي وميساء … التي صارت واحدة من الشلة … 

كنت لحد الساعة لا أزال متمسكاً ببعض ما علمه إياي والداي … كانت غرفتي مليئة بدخان السجائر وبعلب السجائر التي تملأ الأرجاء … لكني لم أكن قد جربت أبداً أن أدخل سيجارة واحدة في فمي … كان ذلك في ذهني بعيداً جداً … من المستحيل أن أفعلها … لكنه لم يكن مستحيلاً حقا كما تخيلت الأمر … ففي أحد ليالي الجمعة … كنا جالسين في الغرفة نتحدث ونلهو … كان عمر والياس يدخنان ويشعران بمتعة غامرة … وكأنها في عالم آخر … كنت أود بشدة أن أجرب السيجارة … كنت أود أن أشعر بتلك النشوة … فجأة سألني عمر … 

  • هل دخنت من قبل؟ 
  • لا … (أجبت بتردد)

تعالت ضحكاتهما كالعادة … وبدوت كالأحمق أمامها … وللحظة كنت أود أن أطلب منه أن يعطيني لأجرب … لكني لم أفعل بل فعل هو …

  • خذ جرب … (ناولني سيجارة فوضعتها في فمي على الفور … قرب الولاعة من فمي) …

– 08 –

كانت أول سيجارة … شعور رهيب هو ذلك …

 دخول الدخان جسمك لأول مرة … شعرت بحرقة صغيرة في حلقي … وبدأت السعال بقوة … تغيرت نظرتي فجأة … فالعالم من حولي ليس كما كان … وكأن الدنيا مائعة … أحسست بأن رأسي تحول لإسفنجة أو كأنه به الصوف … كان شعوراً رهيباً حقيقاً … حينها شعرت بالسعادة … سعادة غامرة … 

وطلبت المزيد … كانت أدخن وأسعل … لكني كنت سعيداً جداً … ومرت أول ليلة رائعة في حياتي … لن أنسى تلك الليلة ما حييت … 

بقي حوالي شهر على عودتي للمنزل …  فولايتي بعيدة جداً … وكان عليّ انتظار العطلة … بدأت الفروض … وبدأت علاماتي المتدنية تقضي عليّ … أهملت دروسي لحد بعيد … وأصبحت مدخن بامتياز … كنت أدخن حتى علبتين في اليوم … لا رقيب ولا أحد يمنعني … يوجد فقط من يشجعني … ومن يرى بأني صرت رجلاً … أجل فقد كان يخبرني صديقاي أني صرت رجلاً … وصرت أتحكم بنفسي وأدخن متى وأين أشاء … ولكن للأسف لم يعلم صديقاي أن السيجارة الحقيرة كانت تتحكم بنا كلنا … كنا نواجه صدمة العلامات المتدنية بالأفلام والسجائر ليلاً … ولحد الساعة كانت أغلب مصاريف السجائر من عند إلياس وعمر … أما أنا فلم أكن أشتري إلا عندما أكون وحدي … كان صديقاي كريمان جداُ … و ياله من كرم … كم كنت ساذجاً حقاً … حتى وصل ذلك الأسبوع … إنه الأسبوع الأخير قبل عطلة الشتاء … حينها بدأت الحيرة تبدو على … ماذا سأفعل … لا أستطيع التوقف عن التدخين الآن … كيف سأعود للمنزل بهاته الخطيئة … فكرت تلك الليلة كثيراً … كيف سأواجه والداي … هل سأتمكن من خداعهما … هل سيكتشفان أمري … كيف سيتقبلان معدلاتي المتدنية … عيناي على سقف الغرفة وأفكر … والأفكار تنخر عقلي الصغير … كنت أحاول إقناع نفسي بالإقلاع عن التدخين … لكنها كانت تقنعني بالعكس … عشت صراعاً لدقائق … أحسست على إثره بحاجة شديدة لسيجارة … فأنا لا أريد أن يكتشف والداي أمري … وأنا لا أريد أن أتوقف عن تلك السعادة التي تمنحني إياها السيجارة … وأخيراً … قررت ليلتها أن أتوقف عن التدخين … وبالفعل حاولت … وجاء الغد نهضت من النوم .. ان كنت قد نمت أًصلا … ذهبت للجامعة كالعادة مع صديقاي … اللذان تكرما على بسيجارة رفضتها … والتقيت بميساء … كنت على غير ما يرام … لم ندخل أي درس … كنت كالطفل الصغير … شكيت لها حالي … وماذا يجب على أن أفعل … أخبرتها أني أقلعت عن التدخين … لكنها لم تعر الأمر أي اهتمام … قالت حينها أن على أن أنجح … وعلى أن أدرس … وصل منتصف النهار ورأسي كاد ينفجر من الصداع … ألم رهيب … ماذا على أن أفعل … يجب أن أدخن الآن … خرجنا واشتريت علبة سجائر وعدت لسابق عهدي القريب … دخنت كثيراً … لكن ما أثار استغرابي أن ميساء فعلت كذلك … بدت وكأنها مدخنه … أخذت مني العلبة وأخرجت السيجارة ووضعتها في فمها وأنا في حيرة من أمري … قربت السيجارة مني لأشعلها .. وبالفعل فعلت … فتحت سيجارتها … لكنها لم تسعل … وبدت وكأنها تدخن منذ زمن بعيد … قالت 

  • لا تستغرب .. أنا أدخن منذ سنة … 

أصابني الذهول … 

  • ماذا !! منذ سنة ؟؟ … لكن كيف لم أعرف ذلك ولم أكتشف ذلك …
  • ببساطة لأني لم أرد لك أن تكتشف ذلك … ولأني ماهرة في إخفاء الأمر … 
  • كيف استطعتي فعل ذلك .. أرجوكي أخبريني … أريد أن أخفي الأمر كما تفعلين 
  • الأمر بسيط … سأعلمك … 

– 09 –

وبدأت تسرد لي حكايتها مع التدخين وكيف بدأت … لا أحد يعلم أنها تدخن سوى القليل … استطاعت أن تخفي الأمر عن عائلتها بكل براعة … أدهشتني حقاً … حكت لي الأوقات التي كادت تُكشف فيها … والصعوبات التي لاقتها … أخبرتني كذلك ببدايتها مع التدخين … سأقص عليكم البعض من حكايتها … 

ميساء في مثل سني … تسكن في ولاية أخرى … ذكية وفطنة … تحصل العلامات العالية دون جهد يذكر … مشكلة ميساء في عائلتها … المشاكل في عائلتها لا تنتهي … أبوها انسان متسلط جداً … إذا دخل المنزل لا أحد يتكلم … كان شديد البطش بعائلته … وخاصة زوجته التي كان يضربها صباحاً ومساءاً … لا لشيء … إلا لأنها تخدمه وتسهر على راحته وراحة الأولاد … أمها إنسانة لطيفة … تمثل الحب في أسمى صوره … كانت تحميهم من بطش والدهم لتتلقى كل غضبه … وصلت الوقاحة بوالدها أن تزوج بامرأة تصغره خمساً وعشرين سنة … والأكثر من ذلك أنه أسكنها معهم في منزله … لتعيش أمها مع الأولاد في غرفة صغيرة من المنزل … 

تحكي ميساء كل هاته الحكايات بحرقة كبيرة … لكنها لم تبكي أبداً … كنت أترقب دمعة من عينها لأبرر لنفسي طقطقة الدموع على عيني … كانت تبدوا وكأنها تريد الانتقام … هي تكره والدها كرهاً شديداً … لم تكن تريد العودة للمنزل … كان همها هو الابتعاد عن بطش والدها الذي بلغ أقصى الحدود … 

لم يكن لها معيل غير أخوها الذي يرسل لها النقود … فهو عامل بسيط في إحدى المؤسسات … 

اقتربت منها أكثر بعد هذا اليوم … وصرت أصرف عليها أكثر … أثارت شفقتي ربما … صرنا أصدقاء من يومها … أصدقاء مقربين جداً … ندخن معاً … وندرس معاً … 

أجل فميساء لم تكن تريد مني الاستهتار في دراستي … لذلك صارت تعاتبني أكثر مني على تغيب الدروس … وصارت تشرح لي كل الدروس في مكتبة الجامعة … هناك حيث نلتقي كل يوم … 

أحس الآن بأني ناضج … أجل ناضج إلى حدٍ بعيد … توقفت عن المشاهدة الهستيرية للأفلام … وصرت أمزج بين ذلك وبين الدراسة … كنت أدرس … أجل .. عدت للخبيش .. فقد أحسست لأول مرة أني لن أنجح … وكنت خائفاً من ذلك الأمر كثيراً … فلا أعلم ما الذي سيحل بوالدي إن لم أجتز أول سنة لي … مر الأسبوع الأخير قبل العطلة … ودعت يومها ميساء بحرارة … ووعدتها أن أتصل بها متى سنحت الفرصة لي بذلك … ذهبت أنا وصديقاي لمحطة المسافرين … إنها رائحة المنزل …

– 10 –

حجزت تذكرة السفر … أو حجز لي صديقاي تذكرة لأكون أكثر وضوحاً … فأنا لم أكن قد فعلت هذا وحدي من قبل … لكنهما كانا كأب لي حيث علماني الكثير خلال هاته الفترة … حملت الحافلة بتوديعي صديقاي … عزمت على أن أحاول ترك التدخين في المنزل … تفرجت فلمين في الحافلة قبل أن يأخذني النعاس … نمت حتى اقتربت من مدينتي … 

وصلت لمحطة المسافرين … وأخذت سيارة أجرة لمنزلنا مباشرة … لم أخبركم أني لم أخبر عائلتي بعودتي … بل الأكثر من ذلك أني حاولت إخفاء الأمر عنهم قدر المستطاع … وصلت لمنزلي حولي السادسة صباحاً … كان الكل نائماً … فموعد الاستيقاظ في المنزل هو السابعة … طرقت الباب بقوة … طال الجواب قليلاً … ثم فتحت أمي الباب … نظرت إلى للحظات وكأنها لم تصدق ما رأته … تفتحت عيناها بعدما كانتا تشعان نعاساً … كانتا مغلقتان … وما ان رأتني حتى راحت تحدق بي … دخلت وعانقتها بقوة قبلت رأسها … وبدأ سيل من الدموع ينزل من عينيها … لم أدري لما بكت … ربما تأثرت ! … أغلقت الباب بعدها وأدخلت حقيبتي … كان المنزل فارغاً … لكن صرخة أمي ايقظتهم جميعاً … 

  • انهظووووووووو … عاد عماد … عاد عماد … 

خرج أبي من غرفته مسرعاً … وخرج أخي الآخر من الغرفة كذلك … بدأت التحيات والفرح يعم المكان … كنت فرحاً جدا ً.. فها أنا مجدداً بين عائلتي الجميلة … ليتها ظلت الأمور هكذاً … 

مر ذلك الصباح كأحسن صباح عشته في حياتي … بدأت بسرد القصص التي مرت على والتي كنت أحرف فيها كثيراً … طمأنتهم على أحوالي هناك وأن لي أصدقاء صالحين … وأني تعودت على الوضع … وعلاماتي ليست سيئة جداً … 

ومر اليوم الأول من العطلة ولم تدخل فمي سيجارة واحدة … لم أفكر بالأمر أبداً إلا بعدما وضعت رأسي على الوسادة … كنت متعباً … نمت ليلتها بسرعة … بدأت مشاكلي تظهر مع فجر اليوم الثاني … حيث نهضت وتناولنا الإفطار … وبقيت جالساً … إن مجرد جلوسي دون عمل أي شيء كان يشعرني بالضجر … وكنت أريد أن أدخن بشدة … لكني لم أستطع … بل بدأ دوار خفيف يلف رأسي … وبدأت علامات الاضطراب والقلق تبدوا علي …

– 11 –

قلق لم أستطع إخفاءه … كنت لا أتحمل الكلام مع أحد … مر أسبوع كامل وأنا لا أدخن سوى سيجارة في اليوم … تلك التي أدخنها بعد العصر حيث أخرج من المنزل بدعوى شراء شيء ما … كنت أذهب لأبعد دكان عن منزلنا … أدخن وأضع بعض العطر في فمي وعلى ملابسي … آكل الحلوى وأعود دون رائحته … كانت تلك السيجارة اليومية أفضل شيء في يومي على الإطلاق … كنت في المنزل لا أتحدث كثيراً إلا بصراخ … بدأت تسوء الأمور … وبدأ أهلي يحسون بتغيري … حتى إنهم بدأوا يستفسرون أكثر … كرهتهم في تلك العطلة وكنت أتمنى لو أعود للإقامة لألتقي بصديقاي الحميمان وبالفعل … عدت للإقامة … وعادت أيامي الجميلة هناك … عدت لصديقتي ميساء ولصديقاي عمر والياس … 
 أحسست أني ناضج أكثر فأنا الآن في الجامعة، أنا كبير الآن، أصابني شيء من الكبر والتعجرف … صرت أجلس مع ميساء في كل زمان ومكان، بصراحة صرنا كالحبيبين … أو قل كالعاشقين، ولا أنكر أني أحببتها رغم كل مساوئها! تباً … فتاة تدخن؟ شيء غريب وخطيئة عظيمة تلك التي تقترفها،
لكني كذلك أدخن، وما الضير في ذلك !! فأنا رجل … أما هي مجرد فتاة والمجتمع لا يرحم ! 
 كنا نجلس طوال الوقت في ذلك المكان قرب الجامعة … في الجهة المعاكسة لبابها من الطريق … ذلك المكان كان رائعاً جداً … فجامعتنا تقع في مكان بعيد عن المدينة في أحد مرتفعاتها … حيث يسمح لك المنظر برؤية المدينة كلها أو أغلبها، كنا نجلس لندخن هناك بعيداً عن ضوضاء الطلبة والطالبات، وبعيداً عن إلياس وعمر. 
 الامتحانات على الأبواب، أسبوع بالضبط يفصلنا عنها، ولا يزال رأسي الصغير فارغاً … بدأنا نحس بالخطر الكبير، صرنا نجتمع يومياً على الثانية عشر وقت الغداء لنراجع ولندرس معاً في مكتبة الجامعة، نحن الأربعة صرنا نشكل ما يشبه المجموعة التي قليلاً ما تفترق، ندرس معاً نجلس معاً في المحاضرات ونأكل غذاءنا معاً. حضرنا ما يمكن تحضيره للامتحانات وإن كان غير كافٍ، ودخلنا الامتحانات بشيء من الثقة التي كانت عندنا في الثانوية … ولكن…
يوم الأحد … 12 جانفي … نهضت كعادتي متأخراً على صوت صديقي الذي كان يصرخ بشدة “انهض اليوم امتحان لا تنسى ” … نظرت لهاتفي .. الثامنة وخمس وأربعون دقيقة .. لا بأس توقيت جيد للنهوض فالإمتحان الأول على الساعة العاشرة، نهضت مسرعاً، وذهبت مباشرة للجامعة، مررت على وائل صاحب محل التبغ حيث اشتريت حاجتي من السجائر لليوم .. يبدو أن مصاريفي بدأت تكبر شيئاً فشيئاً …
 وصلت إذا لقاعة الإمتحان … وُزعت الأوراق، إنّ نظرة خفيفة على هاته الأوراق تجعلك تضن أنك لم تقرأ يوماً في حياتك، وكأنها لغة أخرى … لا علينا … المهم أننا خرجنا خاليي الوفاض من ذلك الإمتحان وكل أملنا أن لا تقل نقاطنا عن الواحد … بداية سيئة لأول إمتحان في الجامعة … 
قررنا بعدها أن نعوض في الإمتحانات القادمة…
 في تلك الطريق الطويلة كنا نمشي … أنا وميساء وصديقيّ، كنت الوحيد الحامل لسيجارة بينهم … كنا نلعن أستاذنا المسؤول عن الإمتحان …
 من ! والدي ماذا يفعل هنا ؟ .. ناولت صديقي عمر السيجارة لكن والدي لمحني … اتجه نحوي وصفعني على وجهي صفعة لا أزال أحس بألمها لليوم …

– 12 –

كان منظراً مهيباً … … في لحظة من الثانية توقف الزمن بالنسبة لي … لم أحسب حساب هذا اليوم … ولم أكن أتخيل أن والدي سيأتي هاهنا … لكن ما الذي جاء به يا ترى … هل كان يعلم؟ وهل وضع لي جواسيساً … ربما جاء ليتفقدني !! … تبا … وسط أصدقائي … وأمام كل هذا الجمع من الطلبة … أحسست بأني قزم في تلك اللحظة … تمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني … فكرت وفكرت … هل من حل لهاته المشكلة … كيف سأواجه والدي الآن … ماذا سأقول … “لن أعيدها” أم “هاته أول مرة وآخر مرة” … “لم أكن أدخن” … أم “أصدقائي سيئون” … تضاربت التبريرات والتفسيرات في رأسي … نظرت لوجه والدي فإذا هو أحمر والعرق يتصبب منه … أرى حرقة عينه … صمتُّ وصمت … نظرنا لبعضنا لثانيتين … هو غاضب جداً … وأنا … أنا ماذا … لا أعرف ما شعرت به في تلك اللحظة … حزن … ندم … أي شيء سيء قد يمر على نفسية إنسان … ونطق بتلك الكلمات التي نزلت منزل السوط على أذني … الكل كان يسمع … ميساء، عمر وإلياس … وبعض المارة من الطلبة والإداريين والأساتذة … قال والدي:
– لم أكن أتوقع ولم أكن أرى في أسوأ كوابيسي حالك هاته، لم أكن أعلم أن تربيتي ذهبت هباء منثورا، أنا الذي أمضيت حياتي في تربيتك تربية صحيحة وفي إبعادك عن شياطين الإنس والجن، أجدك الآن بينهم تحمل في يدك أحقر شيء على وجه الأرض … كيف لقليل من التبغ أن يأخذك … وكيف لك أن تتبع طريقاً غير التي عملت حياتي كلها لتسير عليها … أتعلم لما جئت إلى هنا؟ … جئت لأدافع عنك وعن سمعت عائلتك … أخبرني أحد أساتذتك الذي كان أحد أصدقائي أنك مهمل في دروسك وصرت تدخن هذا العفن، أتعلم ماذا كان رد فعلي؟ لقد كذبته … قلت له مستحيل … ولدي لا يفعل شيئاً كهذا … وجئت خصيصاً لأطمئن عليك … كنت أظن أني سأجدك منكباً على دروسك مهتماً بها … لكن للأسف … وا حسرتاه وا حسرتاه … لن تدخل المنزل حتى تعود لرشدك … إلى ذلكم الحين … أتمنى أن تفكر بذلك الشيء الذي في رأسك 

أنهى كلامه … والتفت خلفه وغادر وعبرات تكابر النزول من عينيه … لم أتجرأ على النطق بكلمة واحدة … وكيف أفعل وأنا في هاته الحالة … بدأ الغضب يصيبني بعد أن أفقت من هول الصدمة … كيف له أن يفعل هذا !! كيف له أن يهينني هكذا أمام زملائي … كرهت والدي حينها لأبعد حد … تناولت السيجارة من عمر … ورحت أدخن … الكل كان ساكتاً ولم يجرأ أحد على الحديث معي … 

– 13 –

استمرينا في السير حتى خرجنا من الجامعة … افترقنا مع ميساء … كنت أدخن دون توقف … سيجارة تلو الأخرى … قال لي عمر لا تحزن يا صديقي … سأعطيك شيئاً ينسيك كل همومك … وبالفعل فعل … عدنا لوائل بائع التبغ … قال له عمر شيئا ما … واشترى منه شيئاً لم أعلم ما هو حتى وصلنا للغرفة، هناك حيث أخرج عمر سيجارة عادية وراح يفرغها من محتواها … استغربت منه وقلت … ماذا تفعل ؟ رد قائلاً … تابع فقط وتعلم يا صديقي … هذا شيء سيسافر بك للجنة … أخرج شيئاً آخر .. لا أدري ماذا فعل بالضبط … أخرج في الأخير سيجارة شكلها غريب وكأنه صنعها … أو لنقل وكأنه غير محتوى السيجارة الأولى … أخذ نفسا عميقاً وقال … ستتغير حياتك بعد هذا … قام بإشعاله … وأخذ استنشاقة منه ثم مرره لي … لم أكن أعلم ما هو … أخذته لأني أثق في صديقي عمر الذي قضى على حياتي منذ تلك اللحظة … لقد كان حشيشاً … أجل أول مرة أدخنه … شعور لا يوصف … كان رائعاً جداً ما شعرت به في تلك اللحظة … لنقل ببساطة أني شعرت بالسعادة الغامرة … وكأن مشكلتي تلاشت تماماً … راحة نفسية عميقة … ثم نمت نوماً هنيئاً … لم أستيقظ إلا على صوت أذان العشاء في إقامتنا … فتح ت عيني … الغرفة مظلمة … يبدو أن إلياس خرج ليتعشى … بقيت في فراشي أفكر وأفكر … و يا ليتني ما فكرت ولا جالت بخاطري تلك الأفكار الغبية … كنت ناقماً أشد النّقم على والدي الذي احتقرني وازدراني أمام أقراني … ألم يكن من الأحسن لو أجل حديثه ذاك … وأنا في خضم تفكيري إذ يرن هاتفي … 

تبا اتصال من والدتي … !! تنهدت بعمق … أغلقت عيني بقوة وكأني أتحسر … أجبت  

  • ألو … لما لا ترد على الهاتف
  •  كنت نائماً
  • أيها الأحمق ماذا فعلت .. أبوك غاضب جداً ويقول أنك لست ابنه –
  •  لا شيء يا أمي .. – تكلم أيها الأحمق ماذا فعلت … كيف لك أن تنحرف عن الطريق ,,, (سكتت .. ويبدو أن سيلاً من الدموع نزل من عينيها … ) ..صمت أنا كذلك ,,, ولم أدري ما أقول .. – أتعلم أنه لن يرسل لك النقود حتى تعود لرشدك …
  • ………… 
  •  تكلم قل شيئاً … متى ستتوقف عن لعبك واستهتارك … 
  •  أرجوكِ أمي .. أنا أعلم ما أفعل ..ولم أصبح ذلك الطفل المدلل الذي يفعل ما يُملى عليه … أنا كبير الآن … سأتوقف عن استهتاري قريبا.. طابت ليلتك … وأغلقت الخط

أغلقت الهاتف … وضعته على الطاولة … نهضت من مكاني بتثاقل … خرجت من غرفتي لأتعشى … خرجت خارج الإقامة، محل رشيد … محل أكل خفيف … طلبت ما أطلبه في العادة، فريت اوملات- أخذته معي للغرفة مع كأس قهوة للسهرة وقارورة عصير صغيرة …
عدت للغرفة … كان عمر وإلياس يحضران لامتحان الغد … جلست في سريري دون كلام .. ورحت أتعشى بما اشتريت …
أكملت عشاءي … درسنا تلك الليلة كل شيء .. أعدنا كل شيء منذ بداية الموسم الدراسي … كانت أول ليلة بيضاء لي في الإقامة … لم أنم حتى الساعة السابعة صباحاً … نهضت بعدها على الحادي عشر … موعد الامتحان على الثانية عشر وربع … ذهبت للجامعة حيث التقيت بميساء التي زادت الطين بلة …

– 14 –

حيث قالت لي أنها لا تريد أن تراني مجدداً يبدوا أن كلام والدي أثّر فيها كثيراً … قالت إنها ستتوقف عن التدخين وأنها سبب انحرافي … قالت ذلك بحرقة .. وبكت … وأنا كنت أسمع صامتاً … أنهت كلامها دون أن أنطق ببنت شفه .. افترقنا منذ ذلك اليوم … ولم أرها إلا قليلاً بعدها … افترقنا لتعود هي للطريق الصحيح … حيث توقفت عن التدخين ولم أرها تحادث شاباً بعد ذلك اليوم … كانت تأتي وقت الدرس وتغادر تماماً بعد نهايته … ألغت من حياتها ذلك الاستهتار والعبث …. المهم … دخلنا الامتحان بشيء من الخوف والترقب … لكن الحمد لله كان في المتناول … وفي المتناول لا يعني أننا سنأخذ علامات جيدة … ببساطة يعني أننا في مجال بين ال 8 وال 12 … وهذا شيء جيد على الأقل … مرت تلك الامتحانات كارثة عليّ … حتى أن معدلي الأول كان 7.73 … وصار الصعود للسنة الثانية يمثل حلماً بالنسبة لي … لم أذهب للمنزل بعد الامتحانات … أي في الفترة بين السداسي الأول والسداسي الثاني … أمضيتها وحدي في الإقامة … أدخن كل شيء … تبغ وحشيش … لا مكالمات من عائلتي … ولا شيء يعكر مزاجي … قد تسأل نفسك … بما كنت أحس في تلك الفترة … سأخبرك … سأخبرك بسذاجتي وبغفلتي … سأخبرك بالغشاء الذي كان على قلبي والذي منعني من رؤية الحقيقة … ذلك الغشاء الذي يمنعك من تقبل الحقيقة … يمنعك من الرجوع … يجعلك تستمر في الخطأ ليس عن جهل … بل عن مكابرة … بالنسبة لي كان الناس في حياتي صنفان … عجوزان خرفان لا يعلمان من الدنيا إلا قديمها ولا يعلمون حال الشباب اليوم … يتمثلان في والديّ … أما الصنف الثاني فصديقان حميمان … يعلمان من الدنيا الكثير … ويعرفان الخير من الشر … يتمثلان في عمر وإلياس … اتبعتهما واتبعت نصائحهما … محاولاً تبرير أعمالي بأنها في الاتجاه الصحيح … كنت أعلم أن التدخين سيء وحرام … لكن بالنسبة لي كان ذلك أمراً عادياً … بدأ السداسي الثاني كسابقه … استهتار وتغيب عن الدروس وضمير ميّت … وجاءت العطلة … وحان موعد عودتي للمنزل … تباً … كيف سأقابل والدي وماذا سأقول وماذا عساي أقول … اتصلت بوالدتي وأخبرتها بموعد عودتي … ففرحت فرحاً ممزوجاً بكثير من الحزن والأسى والترقب … لم تكن عودتي للمنزل كسابقتها … ولم تكن كما تخيلت أبداً … لا أخفيكم أني كنت خائفاً أترقب ماذا سيحدث … ماذا سيقول والدي … وماذا عساي أفعل …

– 15 –

هل أوقف التدخين فعلاً … وكيف أفعل وقد صار جزءاً مني لا يمكنني الاستغناء عنه … التدخين صار صديقي وأنيسي … وملاذي حين الكرب … وصلت محطة المسافرين في ولايتي … وعلى غير ما توقعت كانت هناك والدتي وأخي الصغير بانتظاري … عانقتني أمي بقوة وحنان … وعناقتها ببرودة واستغراب شديدين، قالت أسرع والدك في انتظارنا … لمحت والدي عند السيارة … ابتسم ابتسامة خفيفة واقترب مني … احتضنني وقال مرحبا بعودتك، ركبت السيارة … هدوء غريب … وصلنا المنزل … نزل الجميع، أنزلت أمتعتي … قال لي والدي ضع أمتعتك وتعال لنشتري بعض الحاجيات … غادرنا بالسيارة نحن الاثنان فقط … سرنا بالسيارة حتى غادرنا المدينة … استغربت .. أين نحن ذاهبون … رد ستعرف بعد قليل … وصلنا لمكان خالٍ خارج المدينة … أوقف والدي السيارة … ترجل عنها … خرجت أنا كذلك … اتكأ على صخرة وقال تعال اجلس بجانبي جلست وعرفت انها جلسة موعظة ومحاضرة في الاخلاق …
قال لي … لما تدخن ؟
سكت ولم أجرأ على الرد 
فأعاد علي .. لما تدخن ؟ سكتّ كذلك .. فأعاد .. وسكتّ .. في الرابعة نظر إلى عيني وقال .. عماد .. لماذا تدخن ؟؟ 
قلت : لا أدري …
قال : هل قصّرت معك بشيء يا ولدي .. هل كانت حياتك مليئة بالمشاكل ؟ .. أخبرني أرجوك .. لماذا تدخن !!… وكيف وصلت لهاته الحالة في دراستك …
لم أعرف ماذا أقول حينها … أجبت .. في الحقيقة كانت تجربة للفضول لا غير …
قال .. اسمع يا ولدي .. هاته حياتك .. وأنت حر .. دخن إن شئت .. لكن اعلم انك تؤذيني اكثر مما تؤذي نفسك … إن دخنت فحاول أن لا أراك أو ألمحك .. فإنّ غضبي سريع واني لا أقوى على مشاهدة منظر كهذا .. وإني ما ضربتك إلا لأني خرجت عن طوري وذهب عقلي حينها .. فاتعظ يا بُنيّ …
بدأ بسرد تجارب عن أناسٍ كانوا مدخنين وكيف أنهم ماتوا بسبب السيجارة وبعضهم أصيب بالسرطان … أنهى كلامه وأنا صامت … عدنا للمنزل بعدها … مرّ اليوم الأول عادياً … تلك الليلة في غرفتي … رن هاتفي، المتصل ميساء … أجبت ..
– ألو عماد … كيف حالك؟
– أهلا ميساء بخير … وأنتِ كيف حالك؟ 
– بخير والحمد لله … أود أن أعتذر عما بدر مني آخر مرة … وأود أن أسأل عنما جرى معك؟ كيف حال عائلتك وكيف كان لقاءك بهم ؟
– لن تصدقي أن الأمور مرت على خير ما يرام … استقبلني أهلي بحرارة … ثم نصحني أبي وألقى عليّ محاضرة في الأخلاق … وقال في الأخير أنّي حر فيما أفعل ..
– الحمد لله إذن … سأغلق الخط الآن … اعتني بنفسك … سلام.
– سلام
أغلقتُ الخط كأسعد إنسان على وجه الأرض … فها هي تسير الأمور بخير مع عائلتي وها هي ميساء تتصل لتعتذر ولتطمئن عليّ … مرت أيام العطلة تلك على أحسن ما يرام … لم أكن أدخن بكثرة … وهذا ما جعلني عصبياً نوعاً ما، عصبياً جداً .. أغضب لأتفه الأسباب … وأخرج من المنزل كلما سنحت لي الفرصة … لم يكن لدي الكثير من الأًصدقاء في مدينتي لذا كنت عادة ما أخرج لآخذ سيجارة وحدي …
المهم أن أيام العطلة تلك مرت ومرّ معها فصل من حياتي … وبدأ فصل آخر … فصل الفساد الأخلاقيّ … قررت في هاته المرة أن أعود للدراسة جواً … قمت بشراء تذكرة الطائرة وذهبت لمطار مدينتي … طائرتي على الساعة الرابعة والنصف … أوصلني والداي للمطار … ولم يتوقف عن الثرثرة أبداً … كانت نصائح شتى … حتى كرهتها … لا تفعل كذا وافعل كذا … و و و… الكثير من الكلام الفارغ … أشياء أعرفها وأشياء لا معنى لها …
قمت بكل الإجراءات وجلست أنتظر موعد الإقلاع … تأخر موعد الإقلاع بنصف ساعة كالعادة … لكننا في الأخير صعدنا طائرتنا … ونحن في غرفة الانتظار لمحت شخصاً في سني بدا مألوفا بعض الشيء .. وكأني التقيته من قبل … حاولت التذكر لكنني لم أستطع …
وصلنا مطار العاصمة … نزلنا … فاجئني صوت يناديني ….

  • عماد … عماد … هذا أنت؟

التفت ورائي وإذا به نفس الشخص … عرفت حينها أني أعرفه ويعرفني .. تبا .. نسيت اسمه ونسيت اين التقينا أصلا …

– 16 –

  • أجل أنا عماد … أهلاً …
  • ألم تتذكرني يا رجل ؟ .. أنا مراد … كنا ندرس سوياً فيما مضى …
  • آآآآآآه مراد … هذا أنت .. كيف حالك … تذكرتك الآن … درسنا سوياً سنوات الابتدائية … أين كنت لم نسمع من أخبارك منذ مدة …
  • تلك قصة طويلة يا رجل … ماذا تفعل هنا في العاصمة ..؟
  • أنا أدرس هنا … أدرس الهندسة في الجامعة … وأنت ؟
  • رائع … أنا أدرس في المدرسة العليا للأعمال … فكما تعلم علي أن أتعلم كيف أدير أمور شركات والدي …
  • آه رائع … وفي أي إقامة تسكن ؟؟
  • هههههه … إقامة ؟؟ استأجرت بيتاً هنا … أسكنه مع بعض أصدقائي … تستطيع أن تأتي لتسكن معناً بدلاً من معاناة الإقامة …
  • لا، لا بأس … شكراً لك …
  • حسنا أعطني رقم هاتفك … سآتي لاصطحابك … ستنام معنا الليلة … اشتقت لك ولأيام الصغر …
  • حسناً … أنا أسكن في إقامة شرق العاصمة … مر علي حين تسنح لك الفرصة بذلك …
  • اتفقنا … حظاَ موفقاً … أراك لاحقاً …

افترقنا … ذهبت للإقامة وكلي تذكر لأيامي السابقة في المدرسة الابتدائية … مراد كان من أثرياء الفصل … والده يدير مجموعة شركات كبيرة … من الطبيعي أن يدرس في المدرسة العليا للأعمال …
وصلت الإقامة … لم يصل إلياس وعمر بعد … دخنت يومها كثيراً … وشاهدت ما طاب لي من الأفلام … استلقيت …

رن الهاتف … اتصال … انه مراد … حملت الهاتف …

  • اخرج أنا أمام إقامتكم …
  • حسنا أنا قادم …

حملت أغراضي وخرجت مسرعاً … كانت سيارة فخمة عند باب الإقامة … وصديقي مراد واقف بجانبها … توجهت نحوه … قال … اركب … ركبت السيارة وكلي اعجاب بها وبفخامتها … تباً كم هو ثري … توجهنا بعدها لمنزله … كان بعيداً بعض الشيء …
وصلنا باب المنزل … وما ان اقتربنا من الباب حتى سمعت …
كان صوتاً صاخباً … صوت موسيقى عالية … فتح صديقي الباب … تلفت لي وقال … مرحباً بك في منزلي … دخلت … كان المنزل ممتلأً عن آخره … أشخاص لا أعرفهم … فتيات وشباب … بعضهم يرقص … وبعضهم جالس هنا وهناك … وكأنها حفلة من نوع ما … استغربت وأصابتني دهشة من نوع غريب … ماذا يحدث هنا ؟؟ … ناديت صديقي … ما هذا ؟ أهذا هو منزلك … ؟ قال … نعم هؤلاء كلهم زملائي … هذا حفل اليوم الأول بعد العطلة … تعال معي سأعرفك بالجميع … أخذني من يدي واتجه لمصدر الموسيقي … أوقف الموسيقى وصاح ..

– فلينتبه الجميع … أقدم لكم صديقي عماد … صديق طفولتي … كنا ندرس معاً في الابتدائية … وهو يدرس الآن هندسة في الجامعة … تعالت صيحات ترحيبية …
ثم فتح الموسيقى عن آخرها …. وأخذني لغرفتي في الطابق العلوي … وضعت أغراضي ثم نزلت للأسفل حيث الحفلة … وهناك تعرفت جيداً على بعض أصدقائه وصديقاته … وعرفني على #دنيا … فتاة تدرس معه … كانت فائقة الجمال حقاً …

– 17 –

وشربت الخمر … لم أكن أعرف يومها لونه أو طعمه أو رائحته … قدم لي كأس به سائل قيل إنه رائع … شربت وتناسيت نفسي بكأس تلي الكأس … دعتني دنيا لنرقص معاً … فلم أتردد … لم أكن قد رقصت من قبل في حياتي … ولا حتى بيني وبين نفسي … لكنها طمأنتني وقالت اتبع ما افعل … الأنوار في كل مكان … موسيقى رائعة … تناسيت نفسي في تلك اللحظة … دعني أحدثكم الآن عن شعوري … كنت في تلك اللحظة بين الخوف والتمتع … كنت في غاية النشوة وفي غاية الفرح والبهجة … إلا أنني كنت حذراً بشكل غريب … ماذا يحدث لي … وكيف تسارعت الأحداث بهذا الشكل … لقاء بصديق فحفلة في منزله فلقاء بفتاة فشرب فرقص … أحسست أنني وسط دوامة من نوع ما … ما ان تدخل فيها حتى تعجز عن الخروج … أو لنقل لا تحب أن تخرج أبداً … ودعني أصارحكم أن ما مررت به في ذلك اليوم لم يكن سوى البداية … قد يتساءل البعض … هل أنا ضعيف لهذا الحد … وهل أنا سريع التأثر … وكيف يحدث هذا معي وأنا في غفلة تامة … الحقيقة أن النظر من داخل العلبة ليس كالنظر من خارجها … وأني حينها لم أكن أرى للأمر سوى أنه بعض اللهو واللعب … كنت حينها داخل العلبة وداخل دوامة الحدث … أما الآن فيمكنني حقا أن أرى خطئي … ويمكنني على الأقل أن أحكي ما عايشته لعلي أجد بينكم من يتعظ به … لم أعى يومها إلا و مراد يوقضني في اليوم التالي … نهضت بتثاقل … كان رأسي يؤلمني … صداع … نهضت وألقيت نظرة على الساعة … الــ 12:48 … تباً مر اليوم الأول من الدراسة بعد العطلة ولم أذهب للجامعة … أخذت حماماً … ثم جلست مع مراد نتذكر أيام الدراسة … حيث حكى لي كيف مرت عليه أعوامه … حكيت له بالمثل عن سنوات دراستي وعن صديقاي عمر وإلياس وعن صديقتي ميساء كذلك … فأصر على دعوتهم في يوم ما … قال لي سنخرج الليلة لنتعشى في المطعم … ستقود أنت السيارة .. قالت له .. لكني لا أعرف ولم أقد من قبل وليس لدي رخصة سياقة … ضحك على كثيراً … لكنه وعدني بتعليمي وبأنه سيشتري لي رخصة سياقة …

عشاء فاخر … سرير مريح … كأني في منزلي … مرت تلك الليلة كأحسن ما يكون … أوصلني في اليوم الموالي صديقي للجامعة بسيارته الفاخرة … ما ان نزلت حتى لمحت ميساء … رأتني وأنا أنزل من السيارة فجاءت مباشرة … سلمت عليها … وعبرت لها عن سعادتي برؤيتها … تمشينا معاً ودرسنا كالعادة … أحسست أنها فرحت كثيراً بقدومي … حكيت لها عن كل ما جرى معي في المنزل … تأسفت عما بدر منها قبل العطلة … ووعدتني بأن لا يفرقنا أي شيء … واستمرت في نصحي بترك التدخين كما فعلت هي … أخبرتها كذلك عن صديقي مراد وعن منزله … كان حديثنا مطولاً … انتهى بافتراقنا على الرابعة مساءاً … ذهبت للإقامة حيث وجدت إلياس نائماً … وصل صباحاً ربما … كان يغط في نوم عميق … اتصل بي مراد … كان عند باب الإقامة … خرجت له … وجدته داخل سيارته … لكن هاته المرة لم يكن وحده … كانت صديقته رانيا جالسة بجانبه .. جلست في المقعد الخلفي حيث وجدت دنيا هناك كذلك … أخذنا لمطعم فخم … كان عشاءاً رائعاً … أكلنا وتحدثنا مطولاً … اقتربت مني دنيا اليوم كثيراً … تحدثنا عن أمور خاصة … عن كل شيء …
رغم أني كنت أحس بنوع من النقص بينهم فكلهم أغنياء إلا أني كنت سعيداً جداً فكل ما اشتهيته حصلت عليه … ذهبنا بعدها لنوصل الفتاتين لمنزلهما …

التقيت في اليوم الموالي مع صديقي عمر وإلياس … اشتقت لهما في هذه المدة … جلسنا وتحدثنا وأطلنا الحديث … أخبرتهما عن مراد فأعجبهما الأمر وأرادا مني أن أعرفهما به … وبالفعل جاء اليوم الذي يقام فيه حفل في منزل مراد … هناك حيث طلب مني أن أدعو كل من ميساء وعمر وإلياس … أما عمر وإلياس فقد جاءا … لكن ميساء لم تستطع الحضور فقانون الإقامة الجامعية لا يسمع بالخروج أو الدخول ليلاً للفتيات …

– 18 –

المهم أنها كانت ليلة رائعة … شربنا يومها ما أردنا وأكثرنا من تدخين الحشيش، وجاءني مراد بحبة دواء صغيرة أنستني نفسي وعالمي وجعلتني في نشوة وسعادة لا توصف … علمت حينها أنها #المخدرات … كنت أرى نفسي حينها وكأني في سلم صاعدا أو نازلا نحو الرذائل … شيء يتبعه شيء … كل يوم أتعلم شيئاً جديداً … وكل يوم أرتفع في السعادة المزيفة … سعادة وقتية ستفتك بعمري فيما بعد … ستجعلني أندم على ما فرطت في حياتي هاته … لم تكن سعادة أبداً كما توقعت … بل كانت على العكس من ذلك هماً وغماً وفساداً آني … يذهب سريعاً ولا يعود إلا بجرعة أكثر تأثيراً وأكثر إيلاماً … مرّ حوالي الشهر ونحن على هاته الحال … بين منزل مراد وبين الإقامة … حفلة كل نهاية أسبوع … لا دراسة تشدني إليها … ولا ضمير يستيقظ داخلي … لم تكن ميساء تعلم بسهراتنا … ولم تكن تعرف دنيا صديقتي المقربة التي تسهر معنا كل أسبوع … ولا أعلم كيف لها أن تسهر ولا أي كذبه تقولها لوالديها لتتمكن من المكوث لوقت متأخر في منزل مراد … لم تكن ميساء تعلم بشيء … كانت تعمل جاهدة على المراجعة معي … وعلى أن تبقيني فاهماً لبعض الدروس … كنا ندرس كما اعتدنا في مكتبة الجامعة … كانت حقاً تحبني لدرجة لا توصف …

لم أستطع الخروج مما كنت فيه من فساد ولم أستطع الرجوع لصوابي لأني كنت مغمض العينين وكأني أعمى يمشي في طريق جبلي وعر في ليلة غير مقمرة، وباءت كل نصائح ميساء بالفشل … واقتربت الاختبارات وأنا على حالي المزرية … وأنا على ضلالي … لم أكن أدرس أبداً … غير متصل بكل ما يمت للدراسة بصلة إلا بحبل رقيق أبقت عليه ميساء بيني وبين الدراسة … زاد تعلقي بالمخدرات وكثر مكوثي في منزل مراد حتى ملَّ مني … أذكر أنه قال لي يوماً ما كلمة حطمتني … قال … اسمع يا عماد أنت صديقي المقرب ولكن المخدرات لا تأتي من العدم والحفلات لا تأتي من العدم كذلك … ألم تلاحظ أنك تمكث هنا وتتعاطى ما يحلو لك وتشرب ما يطيب لك دون أن تخرج ديناراً واحداً من جيبك ؟ … أنا آسف ولكن منذ اليوم … إن لم يكن معك نقود فلا يمكن لي تقديم شيء لك … أصبت بالدهشة … غادرت مباشرة وكلي تفكير في كيفية الحصول على المال … كيف لي تأمين حق المخدرات والمعيشة هنا … صار الأمر صعباً … لا يمكنني التوقف عن التعاطي … لم يكن لدي الكثير من المال … كان لا بد من الحصول على مصدر للمال بأي ثمن … صرت أتصل بوالدتي مراراً لأطلب المال … كانت تجيبني لطلبي أحياناً ويمتنع والدي أحياناً إذ صار استهلاكي للنقود جنونياً … فكرت في العمل لكن الأمر كان صعب … وأنا كسول بطبعي … فلم يبقى لي سوى حل واحد …

#السرقة … أجل بدأت أسرق بعض زملائي في الإقامة … بعض جيراني … ثم تطورت الأمور لتصل لسرقة بعض المحلات المجاورة … ببساطة صرت سارقاً محترفاً … ولم أكن وحدي في هذا الأمر … فعمر وإلياس كانا يساعداني أحياناً … فهما كذلك يحتجان للمال لكن ليس بقدري ففي النهاية هما أثرى مني … ومر العام الأول ولم أحصل على معدل يمكنني من الانتقال للسنة التالية … عدت للمنزل بخيبة كبيرة لوالدي … حتى إن والدي أصر على توقفي عن الدراسة في تلك الجامعة لكن أمي أقنعته بالصبر عليّ .. وبأن بمنحني فرصة ثاني … عدت في الصيف لمنزلي ولم أجد ما كنت أجده في العاصمة من مخدرات وسهرات … إلا أن مراد عرفني بصديق له في ولايتي … أحد مروجي المخدرات الذي صار صديقي فيما بعد … اسمه #أيمن

– 19 –

أكبر مني سنا، قصير بعض الشيء وأسمر قليلاً … ما ان عرفني به مراد حتى صار صديقي … يجلب لي المخدرات على الطلب … ويساعدني في جمع المال ان احتجت لذلك … تعرفت معه على شبكة ترويج المخدرات في منطقتنا … وصار أحياناً يطلب من إيصال البعض من المخدرات لمناطق معينه مقابل الكثير من المال، كان سخياً …

وصرت مروج مخدرات … أبيع وأتعاطى وأكسب المال … صار غيابي عن المنزل دائماً … وربما نفض أبي يده مني وتركني للشارع ليعيد تربيتي، لم يكن يتحدث معي أبداً، كان ينصحني من وقت لآخر، يحاول إرجاعي لرشدي ولكن عبثاً كان يحاول … فكأنما جعلت أصابعي في أذني واستغشيت ثيابي لكي لا أسمع ما يتفوه بي والدي، يا ليت كان لي قلب أعقل به أو أذنٌ أسمع بها، فلا والله ماكنت عامي البصر ولكن قلبي الذي في صدري هو الذي عمى.

وجاء العام الثاني … وبدأت الدراسة … لكن هذا العام لم يكن كسابقه أبداً، صرت الآن غنياً نوعاً ما، فالمخدرات تدر عليّ الملايين، صرت أروج في الجامعة للمخدرات، وصرت مصدر للكثير، وبالطبع ساعدني في ذلك صديقاي العزيزان عمر وإلياس، عامي الثاني لم يكن كسابقه … لم أهمل دراستي ولم يجرفني التيار عنها كثيراً، يقال المال يشتري كل شيء، وبالفعل … اشترى لي بعض النقاط … واجتهدت في رفع بعض النقاط، وبين الطريقتين وجدت طريقي لرفع معدلي فوق المتوسط …

ظهر عليّ أثر الغنى وأثر النقود، تساءل البعض واستغرب البعض … وكانت ميساء من المتسائلين المستغربين، كانت تطرح العديد من الأسئلة حين أحاول أن أهديها شيئاً غالي الثمن، تقول أحياناً من أين لك هذا … وتستغرب أحياناً من موجة الثرى التي أمر بها …

في الجزء الثاني من العام الدراسي بدأت موجة ترويجي للمخدرات تكبر … زادت معارفي وصرت معروفاً في سوق المخدرات … كنت أعمل مع مراد وأصدقاءه … نشتري المخدرات من الموزعين الكبار ونبيعها نحن بشكل مجزأ … وفي أحد أيام أفريل اشترينا كمية كبيرة، نقلنا جزء كبير منها للإقامة … وصرت أنا وصديقاي عمر وإلياس نعمل على تجزئتها … كنا نعمل في ذلك الصباح حوالي الرابعة أو الخامسة صباحاً … حين فاجئنا اتصال من مراد …

– ألو عماد …

– أهلا … ماذا هناك …

– قامت الشرطة بالقبض على #رضا .. وقد اعترف …

– ماذا تقول … متى وكيف .. وكيف علمت .. ؟

– وصلني الخبر قبل قليل … اعترف بكم فقط … أنت وعمر وإلياس … غادر الإقامة حالاً …

أغلق الخط … وأغلق معه على كل تفكيري … لم أدري ما أفعل … أخبرت عمر وإلياس … حملنا حقائبنا وغادرنا في تلك الليلة … لم أدري ماذا حلّ بهما وماذا فعلا … كل ما أعرفه أننا افترقنا عند محطة المسافرين … حيث توجهت لمنزلي مباشرة … تباً لي … لا أدري كيف فكرت في تلك اللحظة …

وصلت مساءًا لمنزلي … دخلت على عائلتي بشكل من الخوف والحذر والريبة … صرت أتصرف بشكل غريب … سلمت عليهم … ثم صعدت لغرفتي مباشرة وأغلقت الباب جيداً …

رحت أجول في أرجاء الغرفة … ماذا عساي أفعل الآن … كيف؟ كيف سأتخلص من هاته المشكلة … ربما صرت مطلوباً الآن … وربما فرق مكافحة المخدرات تبحث عني الآن … ماذا سأفعل … وماذا سيحل بأهلي حين يعلمون بالحقيقة الرهيبة … كيف سيواجهون الأمر …

بحثت وبحثت … حللت وناقشت نفسي طويلاً … لم أجل حلاً سوى وضع حدٍ لحياتي البائسة …!!

وفجأة رن الهاتف لقد كان مراد …
مراد : عماد ان الشرطة في طريقها لكم …أنكر كل التهم …وأنكر معرفتك بنا …وخاصة #ميساء !!
رددت متعجبا ” ما دخل ميساء ” فرد ” إفعل ما قلت لك ليس لدي وقت الى اللقاء ” ..

– 20 –

ما أن انتهت المكالمة حتى سمعت طرقا لباب بيتنا ، كان كقرع الطبول يتناغم مع نبضات قلبي ، بدأ الرعب يدب في خلايا جسدي فيترجم بإرتعاد متناوب شديد ، …لحظة الحقيقة نعم ، الشرطة ، ظابط يقدح شررا من أحداقه رمقني بنظرات حادة عندما إقتادني أبي من غرفتي ونزل بي عندهم على الباب قائلا … هذا هو #عماد …
وضعوا الكماشات على يدي في لحظة مأساوية امتزجت بعويل صاخب لأمي المسكينة وهدوء لأبي …كان أهل الحي مجتمعين حول بيتنا ، يا الله إنه حقا العار في أسمى مشاهده، وضعوني موضع المجرمين في خلف تلك السيارة واقتادوني ذليلا كجرذ مجارير ، إلى مركز الشرطة ، لأول مرة أدخل أماكن كهذه يا الله ما آلت إليه نفسي … لم أتذكر حينها إلا كلمات قالها أبي يوم جلس على تلك الصخرة ” آه يا بني ! تدارك نفسك قبل أن تنزل إلى مستنقع القذارة حيث لن يكون مآلك الا السجن ، لتكون رجل جرائم ، ومأواك جهنم وبيس ذا المصير ” ، كلمات كانت تدخل وقتها من أذن وتخرج من أخرى باتت اللحظة يقينا شاخصا …
قطع الظابط شرودي في تلك الغرفة المظلمة الأرجاء وأنا مكبل الى كرسي وسطها قائلا : ” لماذا قتلتها …”..
جزء من الثانية كان كافياً لي لتجول برأسي آلاف الأسئلة … من هذه التي قُتلت ؟؟ تبا … لما قال مراد أنكر معرفتك خاصة بميساء … أصابتني دهشة وذهول غريبين … انها ميساء … أكيد … قُتلت ميساء … لكن من قتلها؟ ولما اتهم بقتلها؟ … أجبت … من؟ من قُتلت؟ أنا لم أقتل أحداً …
رد الضابط: دنيا … لا تنكر … كل الدلائل تشير إلى أنك قتلتها …
لا أدري بما شعرت حينها … شيء من الفرح لأنها لم تكن ميساء وشيء من الوجوم والدهشة والحزن والأسى على دنيا … كان موقفاً لا أحسد عليه … اتهمت بجريمة قتل لم أكن مرتكبها … وكل الدلائل تشير إلىّ … عادت بي الذاكرة في تلك اللحظة لأول لقاء بين ميساء ودنيا … منزل مراد … أذكر أنه دعاني أنا وميساء لوجبة الغداء عنده … كنت أنا وميساء ورضا ودنيا ومراد وصديقته … كانت وجبة غذاء فاخرة … أذكر حينها أن دنيا كانت تنظر إلى بطريقة غريبة … وأغلب الظن أن رضا لاحظ ذلك ولم يعجبه …
طاولة مستديرة … أنا وعلى يميني ميساء ثم مراد ثم صديقته وعلى يساري دنيا ثم رضا …
لا أدري لما تذكرت حينها هاته اللحظة بالضبط … فتشت جيداً في ذاكرتي … لما اتهمت؟ … ماذا حدث ؟؟ عادت بي ذاكرتي مرة أخرى … الليلة التي سبقت اتصال مراد لتحذيري … كنت أنا وعمر والياس عند مراد … كان رضا ودنيا هناك كذلك … كانت حفلة كالعادة… أذكر أنني جلست مع دنياً بعض الوقت … وأذكر جيداً أنها كانت تشكي لي رضا وتصرفاته الطائشة … وكأنها كانت تستنجد بي وبعد دقائق قالت أنها مريضة وأن عليها العودة للمنزل … وأرادت مني إيصالها … وبالفعل فعلت … بسيارة مراد … أوصلتها حتى باب منزلها … وعدت لمنزل مراد لأستلم كمية المخدرات المطلوبة وأعود بها للإقامة مع عمر وإلياس … تلقيت اتصال بعدها من دنيا … لكنها لم تتكلم … أنا أنادي .. ألو ألو … لكن دون رد … لم أعر الأمر اهتماماً وواصلت عملي تلك الليلة حتى جاءني اتصال مراد …

ليوقظني من شرودي الضابط بصراخه … اعترف … اعترف من الأحسن لك …

أجبته … أنا لم أقتلها … أقسم بذلك … ولا أعلم أًصلاً أنها قتلت …

قال: إذا لما سافرت لمنزلك في هاته الليلة بالضبط …

دهشت حينها ولم أدري بما أجيب … سكتت …

قال: اعترف ولا تتعبني أيها الأحمق …

قلت: لم أقتلها. ثم هل سفري في يوم كهذا دليل على أني قتلتها؟

قال: بل هناك العديد من الدلائل التي تشير لك … اعترف قبل فوات الأوان …

نظرت له بتعجب واستغراب … حمل أوراقه وهمّ بالخروج ثم قال … فكر جيداً يا عماد … من الأحسن لك الاعتراف …

– 21 –

جلست في تلك الغرفة وحدي أنتظر قدري، ماذا سيحل بي يا ترى وأي لعنة حلت عليّ … دخل بعدها شرطي واقتادني إلى غرفة أخرى … حيث وجدت والدتي ووالدي هناك … عانقتني أمي بشدة وهي تبكي … أما أبي فكان صامتاً … جلست على كرسي هناك … وراح أبي يذكرني بما قاله لي ذلك اليوم …
قال: عن يومٍ كهذا كنت أحدثك يا ولدي … عن يومٍ تزج به السجن وأنت بريء … أعلم أنك لست قاتل ولا يمكن لك أن تفعل شيء كهذا … لكن الشارع لا يرحم وطريق الشر طريق واحدة … إن تقدمتّ فيها فاعلم أنك ستغرق لا محالة …
حدثني بحرقة … وكأنه أحس بشيء من الذنب لأنه لم يسعى أكثر في انقاذي … وانسابت من بين خديه دمعة تمزق لها قلبي … كانت المرة الأولى التي أرى فيها دمع والدي … ثم قال: قل لهم كل ما تعرفه … أعلم أنّك ضحية للعبة خبيثة بين الكبار … شِ بهم ولا تأخذك بهم عزة … ثم خرج من تلك الغرفة هو وأمي بعد أن طلب الشرطي منهما ذلك … تركت لي أمي شيئاً لآكله … ثم تم اقتيادي لزنزانة أسفل ذلك الفرع … كانت أول ليلة لي وراء القضبان … مكان موحش إلا من حصير بالي جانب الحائط … استلقيت عليه الزنزانة … ثلاثة جدران … سقف وأرضية … وقضبان حديدية، وأنا وسطها كفرخٍ صغير يطمح للخروج للحرية وقد سلبت منه لساعات … جاءني تساؤل حينها … كيف يتحمل العصفور قفصه !! … لكنني تجاهلته كما تجاهلت غيره … ورحت أفكر في حالي ومآلي … أعيد اللحظات، أفكر في الشيء الذي جعلهم يتهمونني بقتل #دنيا … يا الاهي … دنيا ماتت حقاً … يا ترى كيف تسير الأمور الآن في العاصمة … كيف تسير الأمور مع رضا ومراد وعمر والياس وميساء … وفجأة تذكرت آخر كلمات نطقها مراد في حديثه معي … “وخاصة #ميساء ! ” … كيف له بطلب مثل هذا … ما دخل ميساء بالموضوع … ولما يظن أن لها دخلاً؟ … يا ترى كيف تسير الأمور معها الآن … !!
جاءت عائلتي لزيارتي كذلك في اليوم الموالي وجاء معهم المحامي الموكل بالدفاع عني … قال أن موعد محاكمتي سيطول … وأني في هذه الفترة سأبقى في السجن هنا مالم يتم تبرئتي في وقت أقرب من ذلك … رجال الشرطة يملكون أدلة ضدي … لا أدري أي أدلة يتحدثون عنها ! قال أن أحدهم رآني أقتلها … شخص اعترف بي، قال أنه تم القبض عليه بتهمة ترويج المخدرات بالقرب من منزل #دنيا وتم العثور على شيء ما يخصني في سيارة مراد … لم أفهم شيئاً مما حكى لي … لكني قلت له كل ما أعرفه عن تلك الليلة … واستحلفته ألا يخبر والدي بما حكيت له، لكنه فعل على كلِّ حال …
تم اقتيادي مجدداً للزنزانة … وما أن دخلت حتى أرسلوا لي شخصاً آخر … رجل في الأربعينات … هزيل وشاحب العينين … دخل ورأسه على الأرض … جلس في الجهة المقابلة لي … أخذ نفساً عميقاً اتكأ على الجدار ورأسه إلى الأعلى … أغمض عينيه بشدة كأنه يتحسر … وما إن فتحهما حتى رآني … قال … ماذا !! طفل في زنانة كهذه، ما الذي أتى بك هنا يا ولدي … كان يبدوا طيباً نوعاً ما … رددت عليه … تم إتهامي بالقتل … قتل فتاة …
قال : ماذا ؟ قتلت فتاة .. ؟ 
– لا لم أقتلها .. أقسم على ذلك أنا بريء
– اسمها دنيا ؟ 
– أجل .. كيف عرفت !!
– قنوات الأخبار تضج بهذا الخبر !!
– ماذا قالوا ؟ .. أخبرني أرجوك !!
– حسنا .. قالوا أنها بنت أحد أثرياء العاصمة … وأنها وجدت مقتولة في منزلها … لكنهم لم يتحدثوا عن أي مشتبه به …؟
– لا أدري حقاً ..تم اقتادي للسجن البارحة … وأنت لما أنت هنا …
– آه أنا … قصتي حزينة يا ولدي … وأخاف أن لا تتحملها …
– لا بأس … ليس لدينا ما نفعله … قصها علي …

– 22 –

– اسمع يا ولدي … أنا أب لثلاثة أبناء … بنت وولدين … فقير فقراً مدقعاً … لطالما سعيت في هاته البلاد لأحصل على عمل … ولكن من دون جدوى … حاولت وحاولت … ولكني لم أستطع توفير عمل محترم يؤمن قوتي وقوت أولادي … أخرج كل يوم من منزلي الصغير وأسعى في هاته البلاد علي أحظى بشيء أحضره لأولادي آخر النهار … عملت كل ما يمكنك تخيله … بوّاب ومنظّف وحمّال وبائع عند أحدهم … كل يوم أخرج ليرسل الله لي عملاً أسترزق منه … قبل أسبوع حصلت على عمل عند أحدهم … صرت بنّاء … أو قل مساعد بنّاء … مرت الأيام الأولى على خير … بعد حوالي ثلاثة أيام … حملت شيئاً ثقيلاً فشق ظهري … وتم نقلي للمستشفى مباشرة … هناك حيث تمددت ليومين دون حراك … وأولادي وزوجتي لا يجدون من يعيلهم … عدت بعدها نصف شخص … لا أقدر على حمل الثقيل … ولا أقدر على العمل الجاد والشاق … واليوم صباحاً خرجت على أجد من يساعدني … دخلت أحد المحلات … كنت مشوش الذهن … أولادي سيموتون جوعاً … وصب الشيطان على كل ما يملكه من حيل … هناك استسلمت نفسي للسرقة … كان الشيطان يحركني … انتظرت حتى ابتعد البائع قليلاً عن محله … مددت يدي وأخذت ما كان في درج المحل وهممت بالخروج مسرعاً … ما ان فتحت الباب … حتى لمحني صاحب المحل فصاح … سارق سارق … خرجت أجري مسرعاً … واختبأت في أحد الشوارع الجانبية … يبدوا أني لا أجيد السرقة … ما ان أحسست أن الأمر هدأ قليلاً حتى خرجت من ذلك الشارع … فاجئني شرطيان … واقتاداني لهنا …
– قصتك محزنة يا عمي … ولا أدري هل أستطيع أن أحكي لك قصتي أم لا …
هنا دخل أحد رجال الشرطة واقتادني للخارج … وما ان رآني الضابط حتى قال … ستخرج اليوم … لم أفهم شيئاً مما قاله … اقتادني للخارج حيث وجدت والداي مع المحامي ينتظرون … ما أن رأتني أمي حتى احتضنتني وراحت تبكي بحرقة … خرجنا من قسم الشرطة مباشرة … كنت في دهشة من أمري … ماذا حدث؟ سألتهم …
قال المحامي … حسنا تبين بعد التحاليل الطبية أنها لم تكن جريمة قتل … لقد كان انتحاراً …
– ماذا؟ انتحار ؟؟ … كيف … ولما … وكيف حدث أن أخطأت الشرطة هذا الخطأ …
– على رسلك يا ولدي … اسمع … قالت الشرطة أنها تلقت اتصال من منزل دنيا … تم اخبارهم أنها ميتة … انطلقت الشرطة بسرعة للمكان … هناك تم القبض على فتى أراد الدخول للمنزل من الجهة الخلفية … فتى يدعى رضا … قاموا بضبط كمية معتبرة من المخدرات بحوزته وتبين أنه يعرف الفتاة … وقد كان يصرخ بأنك أنت من قتلتها … وأنك سممتها
لكن بعد التحاليل تبين أن دنيا قد انتحرت باستخدام دواء سام
– ماذا؟ … ولما يقول رضا أني أنا من قتلها ؟؟
– لا ندري … هو الآن في السجن بتهمة الترويج للمخدرات ….
عدنا للمنزل … كنت كالمجرم يمشي وسط حيينا … كنت أحس بالعيون تتجه نحوي وبالأفواه تتكلم عني … دخلنا المنزل … صعدت مع والداي لغرفتي … أغلقا الباب جيداً … وطلبا شرحاً مفصلاً عن كل ما جرى …
– حسننا … سأحكي لكما كل شيء … افهماني جيداً … هل تذكران مراد؟ ذلك الفتى الذي درس معي سنوات الابتدائية …
– مراد؟ آه … تذكرته (قالت أمي)
– التقيت به مؤخراً … لديه منزل في العاصمة … كان يعزمني بين الحين والآخر … هو صديق رضا ودنيا التي ماتت … ولا أدري لما يكن لي العداء لم أفعل له شيئاً …
– وكيف لك أن تعرف مروج مخدرات .. ( قالت أمي )
– قال أبي : كيف لا يعرف ذلك وقد استحوذت على قلبه وعقله الصحبة السيئة … لطالما نصحتك يا بني ,,, ابتعد عن رفاق السوء …
سكت بعدها وأطرقت في السكوت …
أكمل أبي ناصحاً … أحسست بالاحتقار حينها … كنت أتعذب أكثر فأكثر مع كل كلمة تخرج من فمه … كان يجلد قلبي جلداً … لم أجد ما أٌقوله … حتى استسلم مني … خرج هو وأمي من غرفتي … وقال … ” أريد لابني عماد أن يعود ” ….

– 23 –

خرجا من الغرفة … استلقيت على سريري ورحت أفكر في ما على فعله الآن … أجل علىّ العودة للدراسة … كنت أجهز حقيبتي إذ تلقيت اتصالاً هاتفياً … لقد كان مراد …
• اهلا مراد
• أهلا عماد … كيف جرت الأمور معك … سمعت أنهم أطلقوا سراحك .؟؟
• أجل .. كيف علمت …
• لدي صديق شرطي … قل لي عن ماذا سألوك ؟؟
• لقد قالوا أني قتلت دنيا … ثم قيل انها انتحرت لتناولها دواء سام … لما انتحرت ؟
• الأمر صعب … كان صعباً عليها العيش بفضيحة كتلك … دعك من الأمر الآن …
• أي فضيحة ؟؟ ماذا حصل معها …
• الفتاة الآن ميتة … ادعوا لها بالرحمة والمغفرة ودعك من سبب انتحارها الآن …
• حسنا ربما فهمت …
• متى تعود … لدينا عمل كثير …
• لا أدري … ربما اليوم أو غداً …
• حسناً … أراك لاحقا ..
أقفلت الخط … أكملت تجهيز حقيبتي … خرجت من غرفتي متوجها للمطبخ لآكل شيء … وأنا في طريقي اذ شدني الصوت المنبعث من غرفة والديّ …
• لا يزال صغيراً يا رجل … لما تقسوا عليه …
• ماذا ؟؟؟ قارب العشرين من عمره وتقولين صغير … علينا إنقاذه مما هو فيه من غفلة وتهور … يجب أن نوقفه عن الدراسة خارج الولاية … عليه أن يعود هنا لأقوم بتتبعه وحراسته …
• لا تحمل الأمر كل هذا القدر يا رجل … نتائجه تحسنت في الجامعة، ألم تلاحظ؟ …
• كيف لا أحمل الأمر هذا القدر وقد دخل السجن … كيف تطلبين مني الهدوء ونحن نفقد ابننا يوما بعد يوم ؟؟ كيف تفسرين اتهامهم له بالقتل … القتل؟ أتدركين معنى هذه الكلمة ؟؟؟
• من المستحيل أن يقتل ابني … من المستحيل أن يعرف ذلك الشخص مروّج المخدرات … ابني أعرفه … سينجح في دراسته وسترى …
• ليس لي إلا السكوت … لكني لا أتحمل مسؤولية العواقب …
أحسست أن حوارهما قارب على النهاية … فاتجهت للمطبخ حيث لاعبت أخي قليلاً … أكلت شيئاً ما … حاولت العودة لشيء من الجو العائلي … ابتسمت للجميع … رحت أمازح أمي … أذكرها بأني ابنها البريء وأطلب الصفح من والدي … ثم قلت لأمي:
• أمي علي العودة للدراسة غداً … سأغادر الليلة ربما …
• بهذه السرعة يا ولدي … لم تسترح أبداً …
• يجب عليّ ذلك فكما تعلمين الامتحانات على الأبواب … ونحن في نهاية الفصل …
ذهبت فعلا في تلك الليلة وعدت للإقامة … وجدت عمر وإلياس قد عادا قبلي بيوم بعد أن تأكدا من عدم وجود خطر …
ذهبت في الغد للجامعة لأرى ميساء التي افتقدتها خلال هذه المدة … دخلت الدرس أنتظر قدومها لكنها لم تأتي … سألت احدى الفتيات عنها لكنها قالت إنها لم تأتي البارحة كذلك …
استغربت لثانية ليقطع استغرابي صوت مراد حين قال لي ” خاصة ميساء ” … أطرقت قليلاً … حملت هاتفي واتصلت بمراد مباشرة …
• أهلا مراد … أين ميساء؟
أهلا عماد كيف حالك ؟؟ هل عدت؟
• أجل عدت البارحة … ولم أجد ميساء هنا … ؟؟ هل تعرف أين هي؟ أخبرني لما قلت لي يومها “خاصة ميساء”
• أين أنت الآن …
• في الجامعة
• حسناً سآتي وأخبرك بكل شيء …
مر الوقت كأنه سنين بين اغلاقه الخط ووصوله للجامعة … كنت أفكر في كل شيء … أهم التفاصيل التي مرت عليّ … كل نظرة منها لي وكل كلمة من فمها لأذني … كنت حائراً حقاً … أبحث في شريط ذكرياتي عليَ أجد سبب تلك الكلمات …
وصل مراد أخيراً … ركبت معه السيارة … توجهنا نحو شاطئ البحر … جلسنا على الرمال … ثم بدأ بالحديث:
اسمع جيداً يا صديقي … سأحكي لك بالتفصيل ما حدث … 

– 24 –

لما أخبرتك عن ميساء ولما اختفيت فجأة … دعني أولاً أخبرك عن أخيها … رامي … كان انساناً عاملاً … يعمل ليعيل أخته ونفسه وأمه … كان عادياً … لكنه كره معيشته تلك وكره فقره إلى أقصى الحدود … في هذه الفترة بالذات اكتشف عملنا وعلم كم يدر عليه بيع المخدرات من نقود … أذكر أن رضا هو من عرفني عليه … درس معه أيام الثانوية … وصار واحداً منا … صار يروج للمخدرات في ولايته … رضا يعرف رامي جيداً وهما صديقان مقربان …

هل تذكر يوم عزمتك أنت وميساء في منزلي … لم نكن نعرف أنها أخت رامي … أصابتنا دهشة كبيرة … غضب رضا جداً … كان سيتصل برامي ليخبره بما تفعله أخته بعيداً عن بيتهم … لكنني منعته بكل الطرق … لم أكن أريد أن أفسد الأمر عليك وعليها … لكن منعي له لم يستمر طويلاً … رضا يكرهك أشد الكره … لأن دنياً كانت تنظر إليك بشكل غريب … وبلغ به الغضب أوّجه يوم ماتت دنيا … هناك اتصل برامي وأخبره بكل شيء …

لم أكن أريد للشرطة أن تعلم أن لك علاقة بميساء لأن هذا سيقودهم ربما لأخيها وربما لنا … أما بالنسبة لاختفائها … فبعد أن علم أخوها بما تفعل جاء مباشرة للعاصمة … أخذها معه لمنزلهم … وقرر ايقافها عن الدراسة ولا أعلم ماذا حل بها الآن … ربما هي تعاني الأمرين في منزلها … عليك أن تنسى أمرها تماماً … عد إلى حياتك العادية … سنستمر في ترويج المخدرات كما كنا … علينا أن نكون أكثر حذراً … صمتّ مطولاً … ورحت أفكر في كلماته … كثير من المعلومات والحقائق تصل إلى عقلي الصغير في دقائق … لم أدر كيف أرد ولا كيف سأتعامل مع ما قال لي

قلت: أي مخدرات وأي ترويج تتحدث عنه … سأتوقف عن هذا العمل، لست عضواً منكم … انسني أرجوك واخرج من حياتي … تباً لك ولكل أصدقائك … تباً لي … أنا الأحمق الذي تبعتكم وركضت وراء قليل من النقود … قلت كل هذا في عقلي ولم ينطق به لساني … كل ما استطعت فعله هو النهوض والمغادرة … تبعني مراد قائلاً … ما بك يا عماد … قل شيئاً … لا تتركني هكذا … ؟؟ 

رددت عليه … لست قادراً على الحديث الآن … أرجوك دعني لوحدي لأيام … أحتاج لأن أجلس وحدي … قال: حسناً سأوصلك للإقامة … رددت عليه: لا أرجوك … أريد أن أمشي لوحدي … وبالفعل غادرت ذلك المكان متجهاً للإقامة … سأكذب لا محالة إن حاولت أن أحدثكم عن شعوري في تلك اللحظة … شعور غريب … شيء من الندم وتأنيب الضمير وشعور بالأسى … قليل من الحسرة … افتقدت ميساء … كيف لي أن أعيش بدونها … كيف أقنع نفسي بأنني قوي وبأني لا أحتاج شخصاً آخر
مشيت ومشيت … وموجة من المشاعر تنخر قلبي … وصوت قوي في عقلي ينخره نخراً كذلك … كنت مهاجماً من قبل جميع مشاعري وأحاسيسي … كنت الضحية بالنسبة لي … كنت بائساً … كنت ضعيفاً … كنت وكنت وكنت … كنت لا شيء … كنت كومة من الشحم واللحم تمشي … كنت نكرة تبحث عن ألف ولام التعريف … كل ما استطعت فعله هو التمتع بسيجارة “زطلة” … غبت لساعات … سجارة تتلوها سجارة … غرقت في السعادة المزيفة من الجديد … راحة مؤقتة … فتحت عيني فجأة على غرفتي … فتحت عيني لأجد عمر والياس حولي … ما بك ؟ أين كنت طول النهار … ” قال عمر
أطرقت في الصمت من جديد … ثم قلت … أتعلمان أين هي ميساء الآن …؟

  • لا … لا نعلم … ” قال عمر “
  • يقول مراد أنها ذهبت ولن تعود … أنا سبب ذلك
  • لا تقل هذا … أنت لا علاقة لك بالأمر … لكن أين ذهبت ولما وكيف ؟؟ أخبرنا ؟؟
  • أخذها أخوها وأوقفها عن الدراسة … لقد رآها أحد أصدقائه في منزل مراد … يوم دعانا للغذاء …
  • من هذا … كيف حدث هذا …؟ ألن تعود حقا؟؟
  • أجل لن تعود …
  • لا بأس … لننس أمرها اذن … دعنا نعد لعملنا … لا تقل لي بأنك ستكتأب لأجل فتاة ؟

ماذا؟ أكتأب … أبداً … أنا أصلا لا أهتم لأمرها … ولا أعيرها أي حيز من حياتي … كانت مجرد علاقة عابرة … تبا لها … وتبا لأخيها أيضاً … تلك الحمقاء لما قررت الذهاب في وقت كهذا … أعلم أنها كانت تحبني جداً … أخاف أن تنتحر أو يحصل لها مكروه … لكني لا آبه لذلك… حتى لو حرقت نفسها … ما دخلي أنا … رسائلها تلك التي كانت ترسلها لي … لم أكن أعيرها أي اهتمام … وأحياناً كنت لا أقرأها… أتظاهر بذلك فقط … لا أدري لما كانت تنتهي رسائلها بذلك الوجه الأصفر …
لقد تحررت منها ومن وجع الرأس الذي كانت تجلبه لي … لم يعد لها مكان في حياتي كما لم يكن لها من قبل …
أنا متأكد أنها تبكي الآن غيابي … لا بد أن أخوها حبسها في غرفة مظلمة … لا بد أنها تقرأ ما كانت ترسل لي وتبكي … لم أرسل لها شيئاً ذا قيمة … قليل من الرسائل فقط … لا تتجاوز المئتين وأربع وتسعين فقط … أما هي فقد أرسلت لي ضعف هذا العدد إلا مئتين وخمسين رسالة … إنها تبكي أكيد … لا بأس … ستنساني مع مرور الزمن …
حسنناً على أن أخرج قليلاً لآكل شيئاً ما …

– 25 –

  • توقف سآتي معك …
  • لا أرجوك .. سأخرج وحدي … دعني وشأني … لست بخير …

أحسست أني ثرثرت كثيراً … فشلت فشلاً ذريعاً في إخفاء اهتمامي … خرجت علي أجد متنفساً من تلك الغرفة ومن أعين صديقاي اللتان كانتا تشع شفقة على حالي وعلى ضعفي … تباً .. أحسست حينها بالضعف … اتصال من والدتي ….

  • ألو عماد .. كيف حالك يا ولدي ..
  • اهلا أمي .. بخير والحمد لله … وأنت كيف حالك… وكيف حال أخي وأبي ؟
  • هما بخير … لكن هناك خبر سيء … جدك توفي اليوم … عليك أن تحضر جنازته غداً مساءاً …
  • إنا لله وإنا إليه راجعون … حسناً … سآتي غدا …

أنهيت الاتصال … ذهب وتعشيت … ثم عدت للنوم مباشرة … استيقظت في الصباح الباكر وتوجهت مباشرة نحو محطة الحافلات … وصلت للمنزل عند المساء … قبيل موعد الجنازة بحوالي الساعة … سلمت على أهلي … كانت أعينهم تفيض من الدمع … وكنت كأني غير مبالي … أو قل غير متأثر … توجهت لغرفتي … غيرت ملابسي … وخرجت مع أبي متوجهين لمنزل جدي حيث سينقل جثمانه مباشرة للمقبرة … مرت تلك الجنازة كأي جنازة غيرها … فكرت كم هو محظوظ … ترك الشقاء لنا وغادر … توقفت كل أحاسيسه وكل أعضاءه عن العمل … وبقينا نحن في هذه الحياة نقاسي ونعاني …

عدت لغرفتي … كنت أحمل في حقيبتي كمية معتبرة من المخدرات … وبدأ سيل الأفكار ينزل على عقلي الصغير … فكرت في كل شيء … منذ بداية قصتي وحتى تلك اللحظة … لا بد وأنكم خمنتم الأمر … أجل ذلك اليوم هو البارحة بالضبط … البارحة حيث أيقنت أنه لا جدوى من تواجدي على هذا الكوكب … وكيف لي التواجد بعد كل ما فعلته … فقدت طعم الحياة … ولم أجد سبباً يدفعني للاستمرار أكثر فيها … أغلقت غرفتي بإحكام … أخذت كل ما عندي من مخدرات … ورحت أبتلع … ابتلعت حوالي العشر حبات … فكرت في أنها كافية لتريحني مني … استلقيت على ذلك السرير …

وها أنا الآن … وها هو المشهد في غرفتي شاخص أمامكم … أمي وأبي يبكيان … وأخي الصغير خاشع بصره لا يدري ما يفعل …
الحياة قصيرة … قصيرة جداً … قد يأخذك الموت في طرفة عين … كيف ستلاقي ربك حينها ؟ ماذا ستقول له … ؟ وكيف ستجيب حين تسأل ماذا قدمت لحياتك … ؟

لم أقرر أن أكتب مذكراتي هذه إلا بعدما مررت بكثير من التحولات الجذرية في حياتي … تحولات قد تمر بكل واحد منكم … الحياة الجامعية ليست سهلة … والأصدقاء كذلك … وأهم شيء عليك أن تختاره حين تدخل أسوار الجامعة هو الأصدقاء … فليس كل شخص قابل للصداقة … ولا يستحقها الجميع … صادق من ترى أنه أهل لذلك … من يمنعك من المنكرات … ومن يأخذ بيدك لكل خير …

لسنا في الحياة لننام ونرتاح … ولا لندخن السجائر والحشيش أو لنتعاطى المخدرات … الحياة أكبر من هذه الأشياء التافهة … كلها زائل … وكلها استمتاع آني … يحملك تبعاته … اجعل اهتماماتك أعلى وأكبر وقم بالمهمة التي تحيا من أجلها … جد لنفسك هدفاً … واعمل على تحقيقه … وليكن أسمى أمانيك رضى الله … والفوز بالجنة …

——————————— أملٌ جديد ———————————

فتحت عيني فجأة … يا إلهي … أين هم … أين والداي وأخي … ارتسمت على وجهي ابتسامة لم أستطع أن أمنعها … أجل … لا بد أنه كان كابوساً … كابوساً مرعباً … لا بد أني نمت لوقت طويل … استيقظت مباشرة … جلست بصعوبة … نهضت من فراشي وذهبت لأغتسل … اغتسلت جيداً … ونزعت عني كل ما كان يدنسني من أفكار وآفات … اليوم ستكون لي بداية جديدة … اليوم سأكفر عن أخطائي وزلاتي …

#النهاية
بقلم صلاح الدين بوخطة

3 فكرة بشأن “مذكرات ميّت”

  1. رائعة .. لكن النهاية مبهمة صراحة و لو كانت واضحة بشأن انه كابوس حقاً ام مجرد واقع و كانت النهاية حلم غريب غير من شخصيتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.